دخلت منطقة الخليج مرحلة حساسة مع تزايد التوترات المرتبطة بالاحتجاجات الداخلية في إيران، وما رافقها من تصعيد غير مسبوق في خطاب الإدارة الأميركية، بلغ حدّ التلويح بالتدخل العسكري ودعم تغيير النظام في طهران.
هذا المشهد المأزوم أعاد إلى الواجهة هواجس خليجية قديمة-جديدة تتعلق بكلفة أي مواجهة عسكرية شاملة، ليس فقط على أمن الإقليم، بل على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
في هذا السياق، تحركت عواصم خليجية بسرعة لاحتواء السيناريو الأسوأ، مدفوعة بقناعة راسخة بأن أي انفجار عسكري سيضع المنطقة بأكملها في دائرة الخطر المباشر.
دبلوماسية خليجية نشطة على خطّي واشنطن وطهران
وفق تقرير نشرته صحيفة “العرب” اللندنية، سجّلت الأيام الأخيرة حراكاً دبلوماسياً خليجياً مكثفاً، تصدّرته الرياض، عبر سلسلة اتصالات رفيعة المستوى هدفت إلى تبريد الأجواء ومنع انزلاق الأزمة إلى مواجهة مفتوحة. فقد أجرى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان اتصالات متزامنة مع كل من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ونظيره العماني بدر البوسعيدي، ورئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، تمحورت جميعها حول تطورات الأوضاع الإقليمية وسبل دعم الأمن والاستقرار.
هذا الانخراط الخليجي المباشر مع طهران، بالتوازي مع رسائل واضحة إلى واشنطن، عكس توجهاً جماعياً لإدارة الأزمة بدل الانجرار خلف منطق المواجهة.
ورقة النفط… عامل ضغط لا يمكن تجاهله
تعوّل دول الخليج على نفوذها الاقتصادي، وتحديداً ثقلها في أسواق الطاقة العالمية، باعتباره أحد أكثر أوراق الضغط فعالية على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المعروف بتركيزه الحاد على المؤشرات الاقتصادية والمالية.
الرسائل الخليجية لواشنطن تمحورت حول تحذير واضح من تداعيات أي عمل عسكري ضد إيران، وفي مقدمتها احتمال اضطراب إمدادات النفط، وتهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز، بما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الأميركي والأسواق العالمية.
كما شددت هذه الرسائل على أن أي هجوم قد يفتح الباب أمام حالة عدم استقرار إقليمي واسعة النطاق، يصعب احتواؤها أو التحكم بمساراتها.
موقف خليجي حاسم من الانخراط العسكري
ضمن هذا الإطار، نقلت العواصم الخليجية، وعلى رأسها الرياض، موقفاً صريحاً برفض الانخراط في أي صراع عسكري محتمل مع إيران. وأُبلغت واشنطن بأن السعودية لن تكون جزءاً من أي عمل عسكري، ولن تسمح باستخدام مجالها الجوي لتنفيذ هجمات ضد طهران، في رسالة سياسية وأمنية بالغة الدلالة تعكس رغبة واضحة في النأي بالمنطقة عن حرب مفتوحة. وهذا الخط يتوافق تماما مع ما صرح به وزير الخارجية التركي هاكان فيدان والذي رفض فيه خيار التدخل العسكري في إيران.
تراجع نسبي في لهجة ترامب… هل هو نتيجة للضغط؟
جاءت هذه التحركات الخليجية متزامنة مع مؤشرات لافتة على تراجع نسبي في حدة خطاب الرئيس الأميركي تجاه إيران. ففي تصريحات أدلى بها من البيت الأبيض، خفف ترامب من نبرته التصعيدية، مشيراً إلى معلومات حول توقف عمليات الإعدام في إيران، مع إبقاء نبرة التحذير قائمة، والتأكيد على متابعة بلاده لما يجري داخل الأراضي الإيرانية.
هذا التبدل في الخطاب فتح الباب أمام تساؤلات حول مدى تأثير التحذيرات الخليجية، خاصة تلك المتعلقة بأسواق النفط، على حسابات الإدارة الأميركية في هذه المرحلة.
قلق إسرائيلي واستعداد لسيناريو المواجهة
في المقابل، بقيت إسرائيل على مستوى عالٍ من التأهب. فقد رفعت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية درجة الاستعداد، وسط تقديرات بإمكانية تنفيذ هجوم أميركي على إيران خلال فترة قريبة، وما قد يستتبعه ذلك من رد إيراني مباشر أو غير مباشر. وتواصل تل أبيب التحذير من إعادة بناء إيران لقدراتها الصاروخية البالستية، في مسعى للحصول على ضوء أخضر أميركي لعمل عسكري جديد.
احتجاجات الداخل الإيراني في قلب الصراع الدولي
تتغذى هذه التوترات على وقع الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في إيران منذ أواخر ديسمبر، احتجاجاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. وقد ترافقت هذه الاحتجاجات مع تصعيد أميركي-إسرائيلي سياسي وإعلامي غير مسبوق، عبّر صراحة عن تطلعات لإسقاط النظام القائم منذ عام 1979.
هذا التداخل بين الداخل الإيراني والحسابات الإقليمية والدولية جعل من الأزمة أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للحسم السريع.
خلاصة
تُظهر التحركات الخليجية الأخيرة محاولة جدية لإعادة ضبط إيقاع التصعيد الأميركي تجاه إيران، عبر استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والدبلوماسي بدل الانخراط في منطق الحرب. ورغم عدم وضوح النتائج النهائية، إلا أن التراجع النسبي في خطاب واشنطن يوحي بأن ورقة النفط والاستقرار الإقليمي لا تزال حاضرة بقوة في حسابات القرار الأميركي.

