أثار إعلان تنظيم حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الكردي تظاهرة في ديار بكر للمطالبة بما سُمّي «حرية عبد الله أوجلان»، زعيم حزب العمال الكردستاني، موجة واسعة من الجدل السياسي والمجتمعي في تركيا، ليس بسبب مضمون الدعوة وحده، بل بسبب الموقف غير المسبوق الذي أعلنه زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي، والذي اعتبر أن التظاهرة لا تشكل مشكلة، وأن لكل حزب الحقَّ في التعبير عن مطالبه السياسية.
في فيديو عبر صفحته على قناة يوتيوب، رأى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي التركي لفند جولتكين أن هذا الموقف لا يمكن عزله عن مسار سياسي أوسع وأكثر خطورة، ووصفه بأنه أحد أكثر التحولات صدمة في الخطاب القومي التركي، لما يحمله من تناقض حاد مع مواقف بهجلي السابقة، التي طالبت بإغلاق الأحزاب الكردية لمجرد رفع شعارات أو صور مرتبطة بعبد الله أوجلان الذي لا يزال يصنف رسميا زعيما لمنظمة إرهابية.
من القطيعة إلى التقاطع بين الحزب الكردي والحركة القومية
بحسب جولتكين، لم يعد بالإمكان تجاهل ما يصفه بـ«التقاطع السياسي الواضح» بين حزب الحركة القومية وحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب المؤيد للأكراد، معتبراً أن هذا التقاطع لا يقوم على حل جذري للمسألة الكردية، بل على اختزال العملية السياسية برمتها في شخص عبد الله أوجلان، أو كما يقول: “محاولة إلباس أوجلان ربطة عنق سياسية”، بمعنى محاولة إعادة تقديم أوجلان بواجهة سياسية مصقولة.
وحذر من أن تحويل قضية عمرها عقود، سقط فيها عشرات الآلاف من الضحايا، إلى ملف شخصي مرتبط بمصير فرد واحد (أوجلان)، يشكل إهانة سياسية وأخلاقية للمجتمع بأسره، أتراكا وأكرادا، ويقوض أي إمكانية حقيقية لبناء توافق مجتمعي حول السلام.
جولتكين أشار إلى أن جميع الدراسات والاستطلاعات تظهر بوضوح أن الدعم المجتمعي لأي مسار تهدئة أو تسوية يتراجع كلما جرى ربطه باسم أوجلان بشكل مباشر، بينما يزداد القبول عندما يُطرح ضمن إطار حقوقي وسياسي شامل.
مسؤولية الحزب الكردي وارتباك الحسابات
انتقد جولتكين بشدة إصرار الحزب الكردي على تنظيم تظاهرات من هذا النوع، معتبراً أن ذلك لا يخدم لا المسار السياسي ولا حتى مصلحة أوجلان نفسه. وأكد أن أي حركة سياسية تدّعي تمثيل شريحة عانت طويلاً من الصراع، كان يفترض بها أن تسأل نفسها كيف تخفف من حساسية المجتمع، لا كيف ترفع منسوب الاستفزاز.
ورأى أن الإصرار على الرمزية الأشد حساسية في لحظة دقيقة، يكشف عن قدر كبير من اللامسؤولية السياسية، ويحول المسار برمته إلى ساحة صدام نفسي واجتماعي، بدل أن يكون طريقاً للتفكيك التدريجي للأزمة.
بهجلي… التحول الذي يتجاوز السياسة
لكن، وفق جولتكين، فإن الصدمة الأكبر لا تكمن في سلوك الحزب الكردي، بل في موقف دولت بهجلي نفسه. فالرجل الذي كان حتى وقت قريب يرى في مجرد رفع صورة أوجلان سبباً كافياً لإسقاط الجنسية، بات اليوم يقدم غطاءً سياسياً علنياً لتظاهرة تطالب بالإفراج عنه.
وطرح جولتكين تساؤلات حادة: لماذا يفعل بهجلي ذلك؟ من يقف خلف هذا التحول؟ ولصالح أي مشروع سياسي أو أمني؟
ودافع أن غياب أي نقاش جدي داخل مؤسسات الدولة حول هذا التحول، يكشف خللاً عميقاً في بنية القرار السياسي، محذراً من أن تجاهل هذه الأسئلة يعني القبول الضمني بمسار يقود البلاد نحو استقطاب خطير.
الاستفزاز المتبادل وتمزيق النسيج الاجتماعي
ربط جولتكين بين دعم بهجلي لتظاهرة ديار بكر، وبين الهتافات المسيئة التي استهدفت السياسية الكردية ليلى زانا في مدرجات بورصة، معتبراً أن الظاهرتين تنبعان من منبع واحد، هدفه استفزاز الطرفين ودفعهما إلى التنافر والعداء المتبادل.
ويؤكد أن الإساءة إلى رموز سياسية كردية لا تقل خطورة عن اختزال المسار السياسي بشخص أوجلان، لأن كلا السلوكين يغذيان الانقسام، ويخدمان منطق الصدام لا المصالحة.
ورفض جولتكين بشدة أي تبرير لهذه السلوكيات تحت مسمى الوطنية أو القومية، مؤكداً أن القومية الحقيقية لا تقوم على الإهانة، بل على حماية وحدة المجتمع ومنع تفككه.
مسار سياسي بلا صاحب قرار
تناول جولتكين أيضاً تقارير الأحزاب المقدمة إلى البرلمان حول ما يُسمى عملية «تركيا بلا إرهاب»، مشيراً إلى غياب رؤية موحدة أو حتى تقاطعات جدية بينها.
لفت إلى أن تقرير حزب الشعب الجمهوري ركز على الديمقراطية دون التطرق العملي لآليات إنهاء المشكلة الكردية، بينما ركز تقرير الحركة القومية على الملفات الأمنية دون أي انفتاح ديمقراطي، في حين بقي الحزب الكردي أسير مقاربته الأحادية.
لكن جوهر الأزمة، بحسب جولتكين، يكمن في موقف الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي يتجنب الإمساك بالملف بشكل مباشر، ويفضل ترك الآخرين يتقدمون خطوة ثم مراقبة النتائج، فيما يصفه الكاتب بمحاولة “عدم لمس الحديد المحمى”.
رهانات خارجية تعرقل الحسم الداخلي
نوه جولتكين إلى أن هذا التردد قد يكون مرتبطاً بالتطورات الجارية في سوريا، خصوصاً ما يتعلق بالترتيبات الجديدة هناك، معتبراً أن أي تسوية إقليمية قد تسرّع أو تعرقل المسار الداخلي في تركيا.
غير أنه يحذر من أن إبقاء المجتمع في حالة ترقب واستفزاز دائم، بانتظار صفقات إقليمية، ينطوي على مخاطر انفجار داخلي لا يمكن التحكم بعواقبه.
مخاطر «لَبنَنة تركيا»
يزعم ليفنت جولتكين أن هناك مشروعا يجري تنفيذه في تركيا للدفع بها إلى نظام جديد، وسمى هذا المشروع «لَبنَنة تركيا»، يعني دفع البلاد نحو نظام سياسي ومجتمعي قائم على الانقسام الهويّاتي العِرقي والمذهبي والسياسي، بما يؤدي إلى إضعاف الدولة المركزية وتعطيل قدرتها على اتخاذ القرار.
وبحسب هذا الطرح، تُدار الخلافات القائمة — مثل المسألة الكردية والاستقطاب بين التيارات الدينية والعلمانية والانقسام الحاد بين السلطة والمعارضة — لا بوصفها قضايا تُحل، بل كأدوات لإدامة الانقسام، ما يفتح الباب أمام عدم الاستقرار المزمن والتدخلات الخارجية، على غرار النموذج اللبناني.
يرى ليفنت جولتكين أن الرئيس أردوغان يتصرف بحذر ويميل إلى التمهل في النسخة الجديدة من مفاوضات السلام الكردي، لأنه غير متأكد من النتائج السياسية المحتملة لهذه العملية. بالمقابل، يتصرف دولت بهجلي بعكس ذلك تمامًا، إذ يضغط باستمرار ويعزز الظهور السياسي لعبد الله أوجلان، ويطرح أحيانًا فكرة أن يكون نواب رئيس الجمهورية من الأكراد أو العلويين.
وفق هذا التحليل، هذه الممارسات تشكل جزءًا مما يسميه جولتكين «مشروع لَبنَنة تركيا»، أي دفع البلاد نحو انقسامات سياسية واجتماعية حادة، حيث يتم استغلال الهويات العرقية والدينية لتحقيق أهداف سياسية قصيرة الأمد، ما يزيد من توتر المجتمع ويضعف التماسك الوطني، ويخلق بيئة شبيهة بما حصل في لبنان من فراغ مؤسسي وصراعات داخلية مستمرة.

