مع اليوم الأول من عام جديد، اختار الكاتب الصحفي والمحلل السياسي التركي المخضرم ممدوح بيرقدار أوغلو أن يوجّه رسالة علنية، بصيغة “مذكرة سياسية صوتية”، إلى رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان، واضعًا إياها في إطار النصيحة السياسية لا المواجهة، والتنبيه الاستراتيجي لا الخصومة، ومؤكدًا منذ بدايتها أنها لا تنطلق من غضب أو تهديد أو تحدٍّ، بل من موقع مواطن غير منخرط في العمل الحزبي، يرى أن من حقه الدستوري والمهني تقديم قراءة نقدية لمسار السلطة، وذلك عبر صفحته الخاصة على موقع يوتيوب.
الرسالة، وفق توصيف صاحبها، لا تستهدف الماضي بقدر ما تحاول التأثير في المستقبل، ولا تسعى إلى تصفية حسابات، بل إلى استعادة مسار سياسي يرى الكاتب أنه كان ممكنًا، ولا يزال.
من أردوغان التوافقي إلى أردوغان الصدامي
تحوّل في النهج لا في الشخصية
يرى بيرقدار أوغلو أن الأزمة الأساسية لا تكمن في شخصية الرئيس، بل في النهج الذي تم تبنيه بعد عام التحولات الكبرى. ويشير إلى أن أردوغان في سنواته الأولى قدّم نموذجًا لزعيم محافظ ديمقراطي، لا يصطدم مع النظام العلماني، ولا يدخل في خصومة مع إرث مصطفى كمال أتاتورك، ويحيل الخلافات إلى القانون، ويؤكد عمليًا – لا خطابيًا – على استقلال القضاء وسيادة القانون.
هذا النموذج، بحسب الكاتب، كان سببًا رئيسيًا في القبول الشعبي الواسع، وفي نجاح الحزب الحاكم في تمثيل مركز سياسي واسع، جمع المحافظين والمتدينين والطبقة الوسطى، دون استعداء الحداثة أو التعددية.
أوروبا والغرب: من الشراكة إلى القطيعة
خسارة الاتجاه لا خسارة التحالف فقط
يخصص بيرقدار أوغلو مساحة واسعة للسياسة الخارجية، معتبرًا أن التحوّل الأخطر لم يكن في تبدل التحالفات، بل في تغيير البوصلة. ففي بدايات الحكم، تعاملت أنقرة مع الاتحاد الأوروبي بوصفه هدفًا استراتيجيًا، لا خصمًا حضاريًا، ودخلت مفاوضات العضوية بحماسة سياسية وشعبية غير مسبوقة، جعلت تركيا في موقع دولة مرشحة كاملة الشروط.
كما حافظت تركيا آنذاك، وفق توصيف الكاتب، على علاقات براغماتية مع الولايات المتحدة، قائمة على المصالح المشتركة لا الصراعات الأيديولوجية، ووسّعت في الوقت نفسه علاقاتها التجارية مع الدول العربية دون الانزلاق إلى خطاب “العالم الثالث” أو الشعبوية العابرة للحدود.
اليوم، يرى بيرقدار أوغلو أن هذا التوازن اختلّ، وأن تركيا دخلت في حالة خصومة مفتوحة مع شركائها التقليديين، ما انعكس مباشرة على الاقتصاد، والعملة، والسمعة الدولية، وجواز السفر، ومكانة الدولة.
الدولة في مواجهة المجتمع
حين تتحوّل المنافسة السياسية إلى خصومة وجودية
في صلب الرسالة، يضع الكاتب ما يصفه بـ”الانحراف الأخطر: التعامل مع الخصوم السياسيين بوصفهم أعداء”. ويشير إلى أن السجون باتت تضم صحفيين، ورجال أعمال، وسياسيين، لم يحملوا السلاح، بل عبّروا عن آرائهم أو نافسوا السلطة انتخابيًا.
من وجهة نظر بيرقدار أوغلو، فإن أي سلطة تبدأ برؤية منافسيها كخطر وجودي، تدخل تلقائيًا مسار التآكل السياسي، مهما بلغت قوتها الانتخابية في لحظة ما. فالقادة الذين يُخلّدون في الذاكرة الجمعية، هم أولئك الذين يسمحون بالمنافسة العادلة، ويتعاملون مع النقد بسعة صدر، لا بمنطق الردع.
الاستقطاب… الكلفة الخفية
خسائر تتجاوز السياسة إلى بنية الدولة
يربط الكاتب بين تصاعد الاستقطاب وبين تراجع الثقة في الدولة نفسها، معتبرًا أن الانقسام لا يضر حزبًا بعينه فقط، بل يضرب هيبة المؤسسات، ويضعف الثقة في القضاء، ويقوّض الاقتصاد، ويحوّل العملة الوطنية إلى عبء نفسي قبل أن تكون أزمة مالية.
ويؤكد أن المجتمع التركي، بخلاف الصورة التي تُروَّج أحيانًا، ليس مجتمعًا راديكاليًا، بل مجتمع محافظ بطبعه، متدين في عمومه، لكنه في الوقت ذاته عقلاني، حديث، ومؤمن بالحرية والعدالة والتعددية. وهذا ما يفسر، برأيه، ارتفاع نسب المترددين سياسيًا، وابتعادهم عن الأحزاب الكبرى، نتيجة انسداد المركز السياسي.
لماذا نجح أردوغان سابقًا؟
درس سياسي من الذاكرة القريبة
يذكّر بيرقدار أوغلو بأن الصعود السريع لحزب العدالة والتنمية لم يكن نتيجة فراغ سياسي فقط، بل لأن الحزب قدّم نفسه بديلًا معتدلًا عن الإسلام السياسي التقليدي، وطمأن شرائح واسعة من المجتمع بأنه لا يسعى إلى فرض نمط حياة أو عقيدة أو وصاية.
هذا الخطاب الوسطي، الذي جمع بين المحافظة والحداثة، وبين الإيمان والديمقراطية، هو ما منح الحزب شرعية واسعة، ومكّنه من تحقيق إنجازات لم تنجح فيها حكومات سابقة، وعلى رأسها الاقتراب الواقعي من عضوية الاتحاد الأوروبي.
دعوة إلى المركز… لا إلى الماضي
استعادة الممكن لا تكرار المنقضي
يشدد الكاتب على أن دعوته ليست حنينًا إلى الماضي، بل اقتراحًا استراتيجيًا للمستقبل. فهو يرى أن أردوغان لا يزال يمتلك القدرة على إعادة تجميع المركز السياسي، والعودة إلى نموذج المحافظ الديمقراطي، الذي يحترم الفصل بين السلطات، ويعيد الاعتبار للقانون، ويحوّل التعددية من تهديد إلى مصدر قوة.
ويرى أن هذه العودة، إن تحققت، ستفتح الباب مجددًا للتصالح مع رجال الأعمال، والطبقة العاملة، والشرائح المحافظة المتعبة من الصراع، الباحثة عن العدالة الاجتماعية، لا عن الاستقطاب الدائم.

