في خطوة مثيرة للجدل قد تعيد رسم ملامح المشهد السياسي التركي، قررت محكمة في أنقرة، الاثنين، تأجيل جلسة محاكمة تتعلق باتهامات شراء أصوات خلال مؤتمر حزب الشعب الجمهوري، الحزب المعارض الرئيسي في البلاد.
القرار جاء بعد أكثر من ساعة من المداولات، ليُحدد الرابع والعشرين من تشرين الأول موعداً للجلسة المقبلة.
مشهد احتجاجي واسع في قلب العاصمة
عشية الجلسة، احتشدت حشود غفيرة في ساحة “تاندوغان” بالعاصمة أنقرة، في مشهد اعتبره مراقبون تحدياً جماهيرياً واسعاً ضد القضية التي يُنظر إليها كتهديد مباشر ليس فقط للحزب بل لمسار الديمقراطية التركية برمتها.
المعارضون يرون أن الاتهامات مسيّسة وتهدف إلى إضعاف أقدم حزب سياسي في تركيا، خصوصاً بعدما حقق انتصاراً بارزاً على حزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة رجب طيب أردوغان في انتخابات 2024 المحلية، وواصل تقدمه في استطلاعات الرأي.
تفاصيل الجلسة وإجراءات أمنية مشددة
افتتحت الجلسة عند العاشرة صباحاً بتوقيت أنقرة، وسط حضور كثيف من الصحفيين والمحامين، إلى درجة تعذر دخول بعضهم إلى قاعة المحكمة الصغيرة. المحامي أوجور بويراز، ممثلاً عن حزب الشعب الجمهوري، ناشد القاضي نقل الجلسة إلى قاعة أكبر قائلاً: “الملايين يراقبونك، قرارك في غاية الأهمية“.
خارج المحكمة، انتشرت قوات الشرطة بكثافة، حيث تواجدت عناصر مسلحة عند المدخل، فيما اصطف المئات من عناصر مكافحة الشغب في حافلات قريبة، في مؤشر على حالة التأهب القصوى.
خلفيات القضية: صراع على القيادة
القضية تستند إلى مزاعم تزوير في مؤتمر الحزب الذي انعقد في تشرين الثاني من العام الماضي، والذي أطاح بالزعيم المخضرم كمال كليجدار أوغلو لصالح الزعيم الحالي أوزجور أوزيل. نجاح الادعاء في هذه القضية قد يعني إزاحة أوزيل من منصبه وإمكانية عودة كليجدار أوغلو المتهم بالتعاون مع الحكومة، رغم أن الأخير ارتبط بسلسلة من الهزائم الانتخابية التي أدخلت الحزب في أزمة ممتدة.
تصريحات وتصعيد سياسي
في خطاب أمام أنصاره بأنقرة عشية الجلسة، وصف أوزيل القضية بأنها “انقلاب سياسي” قائلاً: “نحن نواجه عواقب التخلي عن قطار الديمقراطية لصالح الحكم بالقمع. كل من يشكل تهديداً ديمقراطياً للحكومة يصبح هدفاً لها“.
من جانبه، أكد رئيس بلدية إسطنبول المعتقل، أكرم إمام أوغلو، أن القضية تمثل “اعتداءً مباشراً على الديمقراطية”، مضيفاً: “المسألة لا تتعلق بحزب الشعب الجمهوري فقط، بل بوجود الديمقراطية من عدمها في تركيا“.
اتهامات وعقوبات محتملة
لائحة الاتهام تُشير إلى كليجدار أوغلو كـ”طرف متضرر”، وتطالب بعقوبات بالسجن تصل إلى ثلاث سنوات بحق إمام أوغلو وعشرة من رؤساء البلديات والمسؤولين التابعين للحزب. كما يخضع أوزيل وثمانية نواب آخرين لتحقيقات موازية، إلا أن حصانتهم البرلمانية تجعل ملفاتهم بيد لجنة خاصة داخل البرلمان.
اختبار سياسي واقتصادي حساس
القضية الحالية ليست الأولى من نوعها، إذ سبق لمحكمة في الثاني من أيلول أن عزلت قيادة فرع الحزب في إسطنبول على خلفية مزاعم شراء أصوات في مؤتمر فرعي، وعيّنت وصياً لإدارة الفرع، وهو ما اعتُبر “بروفة سياسية” قبل قضية أنقرة.
القرار آنذاك أثار احتجاجات غاضبة وأدى إلى تراجع البورصة بنسبة تجاوزت خمسة في المئة، ما رفع المخاوف من تأثير مماثل على الاقتصاد التركي إذا ما صدر حكم ضد قيادة الحزب على المستوى الوطني.
مناورة استباقية لحماية القيادة
استعداداً لأي سيناريو قضائي، دعا الحزب إلى عقد مؤتمر استثنائي في الحادي والعشرين من أيلول، قبل أيام قليلة من الجلسة المقبلة. الهدف المعلن من هذه الخطوة هو إعادة انتخاب أوزيل سريعاً في حال إبعاده قضائياً، وبالتالي الحفاظ على موقعه في قيادة الحزب عبر تجديد الثقة الشعبية الداخلية.

