بقلم: سليم نيازي أوغلو
تكشف المقارنة بين حجم الضربات التي تعرّضت لها دول الخليج العربي وتلك التي استهدفت إسرائيل عن مفارقة لافتة، تعيد طرح سؤال قديم حول طبيعة السلوك الاستراتيجي الإيراني. فالمسألة لا تبدو طارئة أو مرتبطة فقط بظروف المرحلة الراهنة، بل تعود إلى بنية فكرية وسياسية تأسست منذ قيام النظام الإيراني عام 1979، واستمرت في التطور حتى بلغت ذروتها في المشهد الإقليمي الحالي.
هذه البنية لا يمكن فهمها بمعزل عن فكرة مركزية حكمت السياسة الإيرانية منذ نشأتها، وهي اعتبار الذات حاملة “حقيقة ثورية مطلقة” تبرّر تجاوز الحدود والسيادات، وتُخضع القانون الدولي لتأويلات أيديولوجية تخدم مشروع التمدّد.
1979 كنقطة تأسيس – بين خيارين متناقضين
شهد عام 1979 لحظة مفصلية في الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب قيام النظام الإيراني الجديد، بل أيضاً نتيجة تبلور مسارين متناقضين في إدارة الصراع الإقليمي:
المسار الإيراني
رفع النظام الجديد شعار “تصدير الثورة”، وأعلن منذ أيامه الأولى استعداده لتجاوز الأعراف الدولية، وهو ما تجلّى عملياً في حادثة اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز دبلوماسييها. ومنذ ذلك الحين، ترسّخ نهج يقوم على استخدام القضايا العابرة للحدود، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، كأدوات شرعنة للتدخل في شؤون الدول الأخرى.
المسار المصري
في المقابل، اتجهت مصر نحو خيار مغاير تماماً عبر توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، مع ما رافق ذلك من إعادة تعريف لأولويات الدولة، بالتركيز على الداخل الوطني وتقليص الانخراط في الصراعات الإقليمية. ورغم الانتقادات، لم يكن هذا المسار متجاهلاً للقضية الفلسطينية، إذ تضمّن تصوراً لحكم ذاتي فلسطيني تدريجي يفضي إلى تسوية نهائية.
هذا التباين بين “التوسع الثوري” و”الانكفاء الوطني” شكّل منذ ذلك الوقت محوراً لصراع استراتيجي طويل الأمد في المنطقة.
من فلسطين إلى الجغرافيا – توظيف القضايا كأدوات نفوذ
لم تكن القضية الفلسطينية بالنسبة لإيران هدفاً نهائياً بقدر ما كانت مدخلاً وظيفياً لبناء نفوذ إقليمي. ومع اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية، توسّع هذا الاستخدام ليشمل ساحات متعددة، حيث جرى توظيف الشعارات العابرة للحدود لتبرير التدخلات المباشرة وغير المباشرة.
وفي هذا السياق، تطوّر نمط عمل يقوم على بناء شبكات حلفاء محليين مرتبطين عضوياً بطهران، وإضعاف مؤسسات الدولة الوطنية لصالح كيانات موازية، واستثمار الانقسامات الطائفية والاجتماعية لتعزيز النفوذ.
ثالثاً: لبنان كنموذج أولي لسياسة “الاختراق المركّب”
شكّل لبنان الساحة الأوضح لتجسيد هذه الاستراتيجية، حيث تداخل العامل الإيراني مع النفوذ السوري في صياغة واقع سياسي وأمني جديد. ومع الوقت، تحوّل هذا النموذج إلى صيغة قابلة للتكرار في دول أخرى، تقوم على خلق “دولة داخل الدولة” وربط القرار السيادي بمراكز خارجية.
وقد توسّع هذا النموذج لاحقاً ليشمل العراق بعد 2003، حيث تكرّس النفوذ عبر بنية سياسية وأمنية معقّدة، وسوريا خلال الحرب، عبر دعم النظام وتعزيز الحضور العسكري، واليمن من خلال دعم جماعات مسلّحة ذات طابع عقائدي.
من “الحلفاء” إلى التبعية – بنية العلاقة مع الأطراف المحلية
لم تقتصر العلاقة الإيرانية مع حلفائها على الدعم السياسي أو العسكري، بل اتجهت نحو صيغة أقرب إلى “الذوبان التدريجي”، حيث يصبح القائد العسكري الإيراني رمزاً عابراً للحدود، ويتحول “الحرس الثوري” إلى شريك في القرار الأمني للدول المعنية، ويُعاد تشكيل النخب السياسية وفق معايير الولاء للمشروع الإيراني.
وفي هذه البيئة، تُختزل الدول إلى كيانات هشّة، تُدار أزماتها بدل حلّها، وتُستثمر صراعاتها الداخلية لتعزيز النفوذ الخارجي.
مقارنة تاريخية – “مبدأ بريجنيف” بصيغة شرق أوسطية
يقارن الكاتب والمحلل اللبناني المعروف حازم صاغية هذه الاستراتيجية بما عُرف بـ”مبدأ بريجنيف” في الاتحاد السوفياتي، الذي أتاح التدخل في الدول الاشتراكية بحجة حماية النظام. بالمثل، تتعامل إيران مع محيطها بوصفه مجالاً حيوياً مفتوحاً، حيث يُبرَّر التدخل بذريعة “حماية محور المقاومة” أو مواجهة التهديدات المشتركة.
تفكيك الدول وإعادة تشكيلها – الكلفة الإنسانية والسياسية
أدّت هذه السياسات إلى نتائج عميقة التأثير في بنية الدول العربية، تمثلت في اندلاع نزاعات داخلية واسعة النطاق، وسقوط مئات الآلاف من الضحايا، وتهجير ملايين السكان، وتفكك مؤسسات الدولة وتحولها إلى كيانات ضعيفة.
ولم تقتصر النتائج على الجانب الإنساني، بل شملت أيضاً إعادة تشكيل الخريطة السياسية بما يخدم توازنات إقليمية جديدة.
الصراع على النموذج – دول الخليج في مواجهة مشروع التفكيك
في مقابل هذا المسار، برز نموذج آخر تقوده دول الخليج، يقوم على تعزيز الاستقرار الداخلي وبناء مؤسسات قوية، والانخراط في الاقتصاد العالمي وتطوير الشراكات الدولية، ودعم جهود إعادة بناء الدولة في مناطق النزاع.
هذا التباين خلق صراعاً مزدوجاً في المنطقة تمثل في صراع داخلي يستهدف استقرار الدول عبر نشر الفوضى، وصراع استراتيجي على الموارد والممرات والمجالات الحيوية.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال البعد الدولي للصراع، حيث تشير معطيات عديدة إلى أن بعض القوى الكبرى لا تنظر إلى التوترات الإقليمية بوصفها أزمات ينبغي احتواؤها بقدر ما تراها أدوات لإعادة تشكيل التوازنات. ومن بين هذه الأدوات، يبرز توظيف الانقسام المذهبي بين السنة والشيعة، الذي تحوّل في كثير من الحالات إلى ساحة صراع مفتوح تستنزف المجتمعات والدول.
هذا الاستنزاف لا يقتصر على البعد الأمني، بل يمتد إلى إضعاف البنى السياسية والاقتصادية، بما يجعل العالم العربي، وخصوصاً فضاءه السني، أكثر عرضة للاختراق والتفكك. وفي هذا الإطار، تبدو بعض سياسات القوى الكبرى متقاطعة – بشكل مباشر أو غير مباشر – مع ديناميات الصراع التي تغذيها إيران، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تحالفات صريحة، بقدر ما يعكس تقاطع مصالح في إدارة الأزمات بدلاً من حلّها.
الامتدادات الفكرية – من الأقليات إلى النخب
لم يقتصر النفوذ الإيراني على البنية السياسية والعسكرية، بل امتد إلى المجال الفكري والاجتماعي، حيث جرى استقطاب بعض الأقليات عبر روابط أيديولوجية ومادية، وانحاز جزء من التيارات الإسلامية بسبب خصوماته مع الأنظمة، كما انجذبت بعض التيارات اليسارية والقومية نتيجة العداء المشترك للغرب.
ورغم وضوح نتائج التدخلات على الأرض، استمرت هذه التيارات في مواقفها، ما يعكس تعقيد البعد الأيديولوجي في الصراع.
المرحلة الراهنة – تصعيد مباشر وتحوّلات في مراكز القوة
تشير التطورات الأخيرة إلى انتقال الاستراتيجية الإيرانية إلى مستوى أكثر مباشرة، عبر استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة في استهداف دول المنطقة، بما فيها دول الخليج.
ويتزامن ذلك مع تحولات داخلية في إيران نفسها، حيث يتزايد نفوذ المؤسسة العسكرية، ولا سيما “الحرس الثوري”، على حساب بقية مراكز القرار، ما يعزز الطابع الأمني والعسكري للسياسة الخارجية.
بين الثبات والتكيّف – سؤال المستقبل
رغم محاولات عديدة للتوصل إلى صيغ تفاهم مع إيران، لم تُظهر السياسات الإيرانية تحولاً جوهرياً في سلوكها الإقليمي. وفي المقابل، تواصل دول الخليج تطوير نموذجها القائم على الاستقرار والشراكة الدولية، في محاولة لتثبيت موقعها ضمن النظام العالمي.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن التوفيق بين مشروعين متناقضين في الرؤية والوسائل، أم أن الصراع بينهما مرشح للاستمرار وربما التصاعد؟

