انتهت المحادثات التي جمعت وفدي باكستان وأفغانستان في مدينة إسطنبول دون تحقيق أي تقدّم ملموس نحو تثبيت هدنة دائمة، بعد أسوأ مواجهات حدودية بين البلدين منذ عودة حركة طالبان إلى الحكم في كابول عام 2021.
واستمرت الجلسات المكثفة التي بدأت السبت لما يقارب ثماني عشرة ساعة متواصلة حتى مساء الإثنين، في محاولة أخيرة لاحتواء التصعيد العسكري، غير أن الخلافات الجوهرية حالت دون التوصل إلى تفاهم نهائي.
فشل دبلوماسي رغم الوساطة التركية والقطرية
تأتي محادثات إسطنبول عقب اتفاقٍ هش تم التوصل إليه في الدوحة في التاسع عشر من أكتوبر بوساطة قطرية وتركية، أعقب انهيار هدنة أولى لم تصمد أكثر من يومين. ومع أن الجولة الجديدة كانت تهدف إلى بلورة آلية مراقبة لوقف إطلاق النار، إلا أن المفاوضين غادروا إسطنبول دون بيان مشترك أو جدول زمني لجولة جديدة، ما يعكس عمق انعدام الثقة بين الجانبين.
مصادر أمنية باكستانية تحدثت عن “محاولة أخيرة” منفصلة عن المسار الرسمي، لا تزال جارية خلف الكواليس، في محاولة لتفادي انزلاق الأوضاع نحو مواجهة شاملة.
تصعيد على الحدود وسقوط عشرات القتلى
التوترات الأخيرة تفجّرت بعد انفجارات وقعت في كابول في التاسع من أكتوبر، اتهمت حكومة طالبان إسلام آباد بالوقوف وراءها، لترد باكستان بقصفٍ مدفعي مكثّف على المناطق الحدودية.
وأسفرت المواجهات عن مقتل العشرات من الجانبين، بينهم مدنيون، في أكثر موجات العنف دموية منذ عام 2021.
بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان أعلنت مقتل ما لا يقل عن خمسين مدنياً وإصابة أكثر من أربعمئة وأربعين آخرين خلال أسبوعٍ واحد، فيما أكدت القوات الباكستانية مقتل ثلاثةٍ وعشرين جندياً وإصابة تسعةٍ وعشرين آخرين دون الإفصاح عن خسائر المدنيين.
اتهامات متبادلة ودعوات للحسم العسكري
تبادل الطرفان الاتهامات بشأن مصدر الهجمات. فإسلام آباد ترى أن حركة طالبان الأفغانية توفر مأوى لعناصر “تحريك طالبان باكستان” (TTP) التي تشنّ عمليات داخل أراضيها، فيما تنفي كابول ذلك بشكل قاطع.
وكان وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف قد لوّح قبل انطلاق المفاوضات بإمكانية “خوض حرب مفتوحة” في حال فشل المسار التفاوضي، مؤكداً أن بلاده لن تقبل استمرار التهديدات على حدودها.
وردّ المتحدث باسم وزارة الداخلية الأفغانية عبد المتين قاني بتحذير شديد اللهجة، قائلاً إن “أي هجوم سيُواجَه بردّ يجعل من باكستان عبرة للآخرين”، مضيفاً أن بلاده “لا تملك أسلحة نووية، لكنها هزمت الولايات المتحدة وحلف الناتو على مدى عشرين عاماً”.
انعكاسات إنسانية واقتصادية متزايدة
إغلاق المعابر الحدودية بين البلدين لأكثر من أسبوعين تسبب في أزمة إنسانية وتجارية خانقة. فباستثناء الأفغان المطرودين من باكستان، لا يُسمح بعبور أي مدني أو بضائع، مما أدى إلى تعفن كميات كبيرة من الفاكهة في الشاحنات المتوقفة عند معبر سبين بولدك، حيث تحدث سائقون عن خسائر فادحة تطال مئات الأسر التي تعتمد على التجارة الحدودية.
وتحذر منظمات الإغاثة من أن استمرار الإغلاق قد يفاقم الأزمة الغذائية في جنوب أفغانستان، ويهدد بتصاعد التوترات الاجتماعية في المناطق الحدودية.
تدهور العلاقات وتراجع فرص الحل السياسي
تُظهر الأزمة الحالية مدى تدهور العلاقات بين البلدين اللذين كانا حليفين وثيقين في السابق. فمع تصاعد الهجمات عبر الحدود، باتت إسلام آباد تنظر إلى كابول كخصم أمني أكثر منها شريكاً استراتيجياً، بينما ترى طالبان أن باكستان تمارس ضغوطاً سياسية تتجاوز حدود السيادة الوطنية.
ويرى مراقبون أن غياب الثقة، وتعدد مراكز القرار داخل حركة طالبان، إضافةً إلى غموض الموقف الدولي من الحكومة الأفغانية، كلها عوامل تجعل أي اتفاق مستدام أمراً بالغ الصعوبة في المرحلة الراهنة.

