في خطوة لافتة من داخل الدوائر القريبة من الحكومة التركية، أطلقت جمعية الصناعيين ورجال الأعمال المستقلين (موصياد) تحذيرًا علنيًا من المسار الاقتصادي الراهن، معتبرة أن استمرار كلفة التمويل المرتفعة والتضخم المزمن قد يدفعان البلاد إلى “خسارة صناعتها” ما لم تُعالج الاختلالات الهيكلية بعمق.
رئيس الجمعية برهان أوزدمير، شدد في تصريحات صحافية، على أن أدوات السياسة النقدية وحدها لم تعد كافية لاحتواء موجة الغلاء، داعيًا إلى إصلاحات أوسع تشمل البنية الإنتاجية وآليات التسعير والرقابة.
تضخم مزمن رغم تشديد السياسة النقدية
منذ نهاية عام 2021، ظل معدل التضخم السنوي في تركيا فوق عتبة الثلاثين في المئة، بعدما بلغ ذروته عند أكثر من خمسة وثمانين في المئة في خريف 2022، قبل أن يتراجع إلى نحو ثمانية وثلاثين في المئة منتصف 2023، ثم يعاود الصعود إلى ما يزيد على خمسة وسبعين في المئة في ربيع 2024، ليهبط مجددًا إلى قرابة ثلاثين في المئة مع مطلع 2026.
غير أن هذه الأرقام الرسمية تواجه تشكيكًا من قبل مجموعة أبحاث التضخم (ENAG)، التي تقدر التضخم خلال الاثني عشر شهرًا الماضية بأكثر من ثلاثة وخمسين في المئة، ما يعكس فجوة مستمرة بين البيانات الحكومية وتقديرات باحثين مستقلين.
في هذا السياق، أشار أوزدمير إلى أن تضخم السلع تراجع إلى حدود سبعة عشر في المئة، إلا أن أسعار الغذاء والإيجارات ما تزال مرتفعة بصورة تضغط على الأسر وتُبقي التضخم الكلي عند مستويات عالية، مؤكدًا أن معالجة هذه البنود تتطلب حلولًا هيكلية لا تقتصر على رفع الفائدة.
كلفة التمويل: العائق الأكبر أمام المصانع
بعد الانتخابات العامة في 2023، تحولت السياسة الاقتصادية نحو تشديد نقدي ورفع أسعار الفائدة في محاولة لاحتواء الأسعار، غير أن القطاع الصناعي بات يواجه ما يصفه ممثلوه بأزمة تمويل.
أوزدمير أوضح أن الوصول إلى القروض ما يزال ممكنًا، لكن كلفته مرتفعة للغاية، ما يضعف قدرة المصنعين على الاستثمار والتوسع. وتوقع أن يتراوح التضخم بنهاية العام بين ثلاثة وعشرين وخمسة وعشرين في المئة، في وقت رفع فيه البنك المركزي لجمهورية تركيا نطاق توقعاته لتضخم نهاية 2026 إلى ما بين خمسة عشر وواحد وعشرين في المئة، مع تقدير بتراجعه إلى نطاق يتراوح بين ستة واثني عشر في المئة بحلول نهاية 2027، وفق تقرير التضخم الأول لعام 2026.
هذا التباين بين الطموحات الرسمية وواقع السوق يضع الصناعة في منطقة ضغط مزدوج: تضخم لم يُحسم بعد، وتمويل مكلف يحدّ من القدرة التنافسية.
خلل في التسعير وغياب التحليل القائم على الكلفة
بعيدًا عن المؤشرات الكلية، لفت رئيس موصياد إلى ضعف الرقابة على آليات التسعير، منتقدًا غياب التحليل القائم على كلفة الإنتاج. وأشار إلى تفاوتات حادة في الأسعار بين مناطق مختلفة، معتبرًا أن هذا الوضع يعكس قصورًا في الضبط والتنظيم، ويقوّض ثقة المستهلكين ويشوّه بيئة الأعمال.
هذا الطرح يعيد النقاش إلى مسألة الحوكمة الاقتصادية ودور الدولة في مراقبة الأسواق، خصوصًا في ظل تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف المدخلات المستوردة.
طاقة إنتاجية معطلة ومؤشرات انكماش
التحذير من “خسارة الصناعة” لا يرتبط فقط بالتضخم، بل أيضًا بتراجع الاستخدام الفعلي للقدرات القائمة. أوزدمير تحدث عن خطوط إنتاج شبه فارغة في عدد من المصانع، حيث يعمل جزء محدود من العمال مقارنة بالطاقة التصميمية، معتبرًا أن المشكلة ليست في نقص المصانع بل في ضعف استغلالها.
الأرقام الحديثة تعزز هذا القلق، إذ تراجع معدل استخدام الطاقة الإنتاجية في قطاع التصنيع إلى نحو أربعة وسبعين ونصف في المئة خلال 2025، وهو أدنى مستوى منذ التعافي الذي أعقب الجائحة. كما سجل مؤشر مديري المشتريات الصادر عن غرفة صناعة إسطنبول قراءة دون مستوى الخمسين نقطة في يناير 2026، ما يشير إلى استمرار الانكماش للشهر الثاني والعشرين على التوالي.
تراجع الوزن الصناعي ومخاطر المنافسة الخارجية
بحسب أوزدمير، انخفضت حصة الصناعة من الناتج المحلي الإجمالي من خمسة وعشرين في المئة منتصف التسعينيات إلى نحو سبعة عشر في المئة حاليًا، في مسار يثير مخاوف من ظاهرة “إزالة التصنيع”.
المخاوف ذاتها كانت قد أثيرت من قبل اتحاد غرف المهندسين والمعماريين الأتراك، الذي حذر من تزايد الاعتماد على استيراد السلع الوسيطة والتقنيات المتقدمة، مع بقاء نسبة المنتجات عالية التكنولوجيا في الصادرات عند مستويات محدودة.
في موازاة ذلك، تبرز المنافسة الصينية في قطاعات السيارات والصلب والإلكترونيات كعامل ضغط إضافي، في ظل فروق الكلفة والإنتاجية.
دلالات سياسية واقتصادية
تكمن أهمية هذه التصريحات في صدورها عن موصياد، التي تأسست في إسطنبول عام 1990 وتعد من أبرز المنظمات الاقتصادية ذات الصلة الوثيقة بالحكومة والرئيس رجب طيب أردوغان. ورغم أن أوزدمير لم يدعُ إلى تغيير جذري في النموذج الاقتصادي، فإنه طالب بتنسيق أوثق بين الوزارات وتعزيز دور الدولة في توجيه السياسات الصناعية ومراقبة السوق.
هذا الموقف يعكس تحوّلًا في نبرة الخطاب داخل أوساط داعمة تقليديًا للسياسات الرسمية، ويشير إلى إدراك متزايد بأن استقرار الأسعار وحده لا يكفي ما لم يترافق مع إعادة بناء قاعدة إنتاجية قوية ومستدامة.
خلاصة
تحذير موصياد يسلّط الضوء على مفترق طرق تواجهه الصناعة التركية بين تضخم مستمر وكلفة تمويل مرتفعة وتراجع في الاستخدام الفعلي للقدرات الإنتاجية. المعادلة المطروحة اليوم تتجاوز سعر الفائدة، لتلامس عمق البنية الصناعية ومستقبل القدرة التنافسية للاقتصاد.

