تقرير جديد صادر عن لجنة مناهضة العنصرية والتعصب (ECRI) التابعة لمجلس أوروبا يكشف عن تدهور مقلق في أوضاع خطاب الكراهية والعنف القائم على الكراهية في تركيا، موجهاً انتقادات شديدة للسلطات التركية بشأن ضعف الاستجابة وغياب الحماية للفئات المعرّضة للخطر.
تزايد خطير في خطاب الكراهية وجرائم العنف
في تقريرها السادس حول تركيا، والذي يغطي الفترة حتى 21 نوفمبر 2024، حذّرت لجنة مناهضة العنصرية والتعصب (ECRI) من تصاعد مقلق في خطاب الكراهية وجرائم العنف بحق فئات مختلفة، من بينها غير المسلمين، والمثليون، والسوريون، والأكراد، والغجر.
ورغم وجود قوانين تجرّم بعض أشكال خطاب الكراهية، إلا أن اللجنة أشارت إلى ضعف في تطبيق القانون وبطء واضح في استجابة المؤسسات الرسمية، حيث تسود اللامبالاة في كثير من الحالات.
الإعلام والخطاب السياسي: ساحة مفتوحة للكراهية
يرى التقرير أن خطاب الكراهية بات منتشراً على نطاق واسع في الإعلام التركي والخطاب السياسي. وتشمل الفئات المستهدفة العلويين، وغير المسلمين، والأكراد، واللاجئين، والمهاجرين، والمثليين.
مؤسسة هرانط دينك، التي تراقب أكثر من 1000 وسيلة إعلامية، رصدت أنماطاً ممنهجة من اللغة التحريضية والتمييزية ضد هذه الفئات.
ويشير التقرير إلى أن القادة السياسيين يسهمون في تأجيج الكراهية، مستشهداً بالخطاب المستخدم خلال انتخابات 2023، حين استخدمت الأحزاب الرئيسية شعارات معادية للسوريين والمثليين، منها عبارة “السوريون إلى الخارج”. حتى الرئيس رجب طيب أردوغان وصف المثليين بأنهم “فيروس انحلال”، وهو خطاب تكرر على لسان مسؤولين حكوميين.
كما ازدادت الكراهية تجاه الأرمن واليونانيين في الإعلام خلال الأزمات الإقليمية، وارتفعت الخطابات المعادية للسامية بعد هجمات حماس ورد إسرائيل في أكتوبر 2023.
منظمات المجتمع المدني: ملاحقة وتضييق
أفاد التقرير أن المناخ العام لمكافحة الكراهية تراجع بشدة، وسط استهداف مباشر للمجتمع المدني. على سبيل المثال، تمت ملاحقة نقابتي المحامين في إزمير وأنقرة قضائياً بعد تنديدهما بتصريحات معادية للمثليين من رئيس الشؤون الدينية.ورغم تبرئتهما لاحقاً، فإن القضية تعكس تضييق الفضاء المدني في البلاد.
ضعف التطبيق القضائي وغياب الحماية القانونية الشاملة
انتقد التقرير غياب التنفيذ الفعال للقوانين، مشيراً إلى أن المادتين 122 و216 من قانون العقوبات التركي تجرّمان التمييز والتحريض على الكراهية، لكن نادراً ما يتم تفعيلهما بفعالية.
وما يزيد الأمر سوءاً أن بعض الفئات مثل العِرق، واللغة، والتوجه الجنسي، والهوية الجندرية ليست محمية صراحة بموجب القانون، ولا يتم تسجيل الدوافع العنصرية أو الكارهة بشكل منهجي في سجلات الشرطة والنيابة.
جرائم الكراهية: عنف، قتل، وتهديدات
وثق التقرير سلسلة أحداث دموية ذات طابع كراهي. ففي 2021، أبلغت منظمات مدنية مكتب حقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا(OSCE/ODIHR) بـ 64 حادثة، 42٪ منها شملت عنفاً جسدياً أو قتل.
أبرز الحوادث:
- مقتل سبعة أكراد من عائلة واحدة في هجوم جماعي.
- اندلاع أعمال شغب عنصرية ضد السوريين في 2024، شملت نهباً واعتداءات وقتل مراهق سوري.
- مقتل عدد من المتحولين جنسياً منذ 2019، بينهم الناشطة هانده قادر.
- هجمات على كنائس مسيحية، منها إطلاق نار على كنيسة كاثوليكية في إسطنبول في يناير 2024 من قبل عناصر من “داعش”.
■ جهود الحكومة: تدريبات ولكن دون تأثير ملموس
سلّط التقرير الضوء على جهود الحكومة في تدريب أكثر من 250,000 عنصر من الأمن والقضاء بين عامي 2016 و2024. لكن اللجنة ترى أن هذه المبادرات لم تؤدِّ إلى نتائج منهجية، وأن غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة، وتعريفات قانونية غير مكتملة، وفجوة الثقة بين الشرطة والفئات الضعيفة لا تزال قائمة.
الحالة النادرة التي امتدحتها اللجنة كانت إصدار مذكرات توقيف ضد طلاب في جامعة قربوك لنشرهم منشورات عنصرية وجنسية كاذبة ضد طلاب أفارقة.
توصيات عاجلة من اللجنة الأوروبية:
1. استراتيجية شاملة لمكافحة الكراهية
اللجنة دعت إلى تشكيل مجموعة عمل وطنية متعددة الأطراف لصياغة استراتيجية شاملة، تشمل الحكومة، ومنظمات حقوق الإنسان، وممثلين عن الأقليات والمثليين.
2. وحدات شرطية متخصصة
أوصت بإنشاء وحدات شرطة متخصصة لمتابعة جرائم الكراهية وبناء الثقة مع الضحايا.
3. إصلاحات قانونية عاجلة
طالبت بتعديل الإطار القانوني لتجريم الدوافع الكارهة، وتوفير حماية قانونية خاصة للفئات الضعيفة.
فجوة ثقة وتناقضات رسمية
أشار التقرير إلى أن غياب الثقة بين المجتمعات الضعيفة وأجهزة الدولة يؤدي إلى عدم الإبلاغ عن الجرائم، مما يخلق وهمًا بأن الكراهية نادرة، ويمنع بلورة سياسات فعالة.
في المقابل، تؤكد الحكومة التركية التزامها بحماية الأقليات المعترف بها في معاهدة لوزان مثل الأرمن واليونانيين واليهود، لكن اللجنة رصدت تمييزاً بيروقراطياً واضحاً ضد الكنائس البروتستانتية ومضايقات للأئمة الأجانب.
العلويون لا يزالون غير معترف بهم كطائفة دينية مستقلة، رغم إنشاء مديرية شؤون العلويين ودعم أكثر من 850 “جمعية دينية (Cemevi)”.
أما شهود يهوه، فلا يزالون يواجهون ملاحقة بسبب رفضهم أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، ويُقال إنهم يتعرضون لضغوط مهنية لإجبارهم على الانسحاب من معتقداتهم.

