يرى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي التركي أمره أوسلو، الذي سبق أن عمل أستاذا في أكاديمية الشرطة بتركيا، أن النقاش الدائر في تركيا حول احتمال “العفو” أو “المصالحة” مع حركة الخدمة غالبًا ما يُدار بلغة عاطفية، بينما تُحكم الدولة حساباتها بمنطق مختلف تمامًا. فالدول، في نظره، لا تتحرك بدافع الشفقة ولا تعقد التسويات استجابةً لنداءات الضمير، بل حين تتحول الخصومة إلى عبء سياسي أو اقتصادي أو أمني يفوق مكاسب استمرارها.
ويؤكد أوسلو أن التجارب السياسية الكبرى، سواء في أوروبا أو أمريكا اللاتينية أو الشرق الأوسط، تُظهر نمطًا ثابتًا: لا مصالحة بلا تحوّل في ميزان الكلفة والمردود. حين تصبح إدارة الصراع أكثر كلفة من تسويته، يبدأ التفكير في التهدئة.
شروط الجلوس إلى الطاولة: ثلاث معادلات حاسمة
يحدد أوسلو ثلاثة متغيرات تدفع الدولة عادةً إلى مراجعة موقفها من خصم داخلي:
أولًا، أزمة المشروعية. عندما تتحول المواجهة إلى مصدر تشكيك داخلي أو ضغط دولي يمس صورة الدولة ومصداقيتها، تتولد الحاجة إلى تسوية تعيد ضبط التوازن.
ثانيًا، تراجع قابلية الإدارة. إذا بات الصراع يستنزف مؤسسات الدولة ويؤثر في استقرارها السياسي أو الاقتصادي، يصبح الحل التفاوضي خيارًا عقلانيًا.
ثالثًا، ثقل القاعدة الاجتماعية أو السياسية للخصم. حين يمتلك الطرف المقابل حضورًا انتخابيًا أو جماهيريًا يصعب تجاهله، تضطر السلطة إلى التعامل معه باعتباره معطى لا يمكن إلغاؤه.
نموذج المقارنة: مسار حزب العمال الكردستاني
يقرأ أوسلو تجربة الصراع بين الدولة وحزب العمال الكردستاني ضمن هذا الإطار. فسنوات المواجهة المسلحة فرضت أثمانًا بشرية واقتصادية باهظة، كما تحولت القضية الكردية إلى ملف ذي أبعاد دولية. ومع اتساع القاعدة السياسية الكردية وصعود قوى تمثيلية في البرلمان، دخلت السلطة في مراحل تفاوض متقطعة، لا بدافع “المصالحة الأخلاقية”، بل استجابةً لحسابات الاستقرار وإعادة التموضع السياسي.
ويشير أوسلو إلى أن لحظات الانفتاح في هذا المسار ترافقت دائمًا مع احتياجات دستورية أو انتخابية لدى السلطة، ما يعكس الطبيعة الأداتية لقرار السلام في السياق التركي.
لماذا لا تنطبق المعادلة ذاتها على حركة الخدمة؟
بحسب تحليل أوسلو، فإن ملف حركة الخدمة يختلف بنيويًا عن المسار الكردي. فالدولة لا تواجه هنا تمردًا مسلحًا ولا مطالب سياسية مُعلنة ولا ضغطًا انتخابيًا مباشرًا. وبالتالي، لا يتوافر عنصر “الإكراه السياسي” الذي يدفعها إلى مراجعة موقفها.
بل إن استمرار وجود “عدو غير محدد المعالم” يخدم – في رأيه – سردية السلطة، إذ يتيح تبرير حملات الاعتقال والفصل والإجراءات الاستثنائية ضمن خطاب أمني مفتوح. فغياب مخاطب سياسي رسمي يمنح النظام هامشًا واسعًا في إعادة إنتاج شرعية المواجهة دون تكلفة تفاوضية.
الدولة وإدارة المجال غير المنضبط
يستحضر أوسلو نمطًا تاريخيًا في سلوك الدولة العثمانية ثم الجمهورية التركية: المجال الذي يصعب التحكم به يُقمع أو يُعاد تشكيله ضمن إطار رسمي. وهو يقارن ذلك بعمليات توطين القبائل البدوية قسرًا في مراحل سابقة، حيث لم يكن التحول خيارًا أخلاقيًا بل أداة ضبط إداري.
من هذا المنظور، لا تتحرك الدولة ما دامت مرتاحة إلى توازن القوى القائم. فالاستقرار النسبي يسمح باستمرار السياسات الحالية دون الحاجة إلى تنازلات.
التحولات الإقليمية والداخلية: هل تتغير المعادلة؟
تشهد تركيا في السنوات الأخيرة ضغوطًا اقتصادية متزايدة، وتحديات مرتبطة بعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إضافة إلى حاجة دائمة لجذب الاستثمارات واستعادة الثقة المالية. كما أن اتساع الجاليات التركية في أوروبا وأمريكا الشمالية أوجد فضاءً عامًا موازيًا يتفاعل مع ملف الحقوق والحريات.
يرى أوسلو أن هذه التطورات قد تتحول إلى عامل مؤثر إذا تراكمت بحيث تجعل استمرار الصراع عبئًا على صورة الدولة واستقرارها المالي. غير أن هذا التحول لم يبلغ بعد مستوى الإكراه السياسي الكافي لفرض مراجعة شاملة.
ما الذي يمكن أن يغير الحسابات؟
يطرح أوسلو رؤية استراتيجية لما ينبغي على الجماعة فعله إن أرادت التأثير في ميزان الكلفة:
تعزيز الخطاب الموجه إلى الرأي العام الداخلي بلغة جامعة لا تصادمية، والتركيز على البعد الإنساني والمؤسسي بدل الاستقطاب الحاد. فإضعاف مشروعية سردية السلطة في المجتمع هو المدخل الأول لأي تحول.
تحويل الانتشار الخارجي إلى قوة مؤسسية منظمة، عبر الاستثمار في العمل الأكاديمي والاقتصادي والحقوقي، بحيث يصبح استمرار المواجهة خيارًا أعلى كلفة للدولة مقارنة بخيار التهدئة.
الاستعداد المسبق لمرحلة ما بعد الرئيس رجب طيب أردوغان، من خلال إعداد كوادر قانونية ودبلوماسية قادرة على تقديم خارطة طريق واضحة في حال انفتحت نافذة تطبيع سياسي. فالدولة – كما يقول أوسلو – لا تبادر إلى حلول من فراغ، بل تتفاعل حين تجد أمامها مشروعًا جاهزًا.
عقدة القيادة السياسية
يعتبر أوسلو أن شخص الرئيس أردوغان يمثل في المرحلة الراهنة نقطة ارتكاز الصراع؛ فهو الفاعل الذي يعيد إنتاج شرعية المواجهة يوميًا في خطابه السياسي، وهو أيضًا من يملك صلاحية إعادة تعريفها. لذلك، فإن أي تغيير جذري في هذا الملف يرتبط، بدرجة كبيرة، بتحولات المشهد السياسي بعده.
غير أن أوسلو يحذر من التعويل على عامل الزمن وحده؛ فغياب التحضير المسبق قد يؤدي إلى ضياع أي فرصة محتملة للتسوية.
الخلاصة
الدولة، في قراءة أمره أوسلو، لا تمنح العفو، بل تستجيب للحاجة. والسلام لا يولد من الأمل، بل من تبدل ميزان الكلفة والمصلحة.

