في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب على إيران، خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بموقف لافت، وجّه فيه انتقادات مباشرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبرًا أن خطابه السياسي بات يعاني من تناقضات متكررة تُضعف مصداقية الولايات المتحدة وتربك حلفاءها.
خطاب متقلب يثير القلق
أشار ماكرون إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في مضمون السياسات الأميركية، بل في طريقة عرضها وتبدلها السريع. فالتصريحات التي تتغير من يوم إلى آخر، وفق تعبيره، تقوّض أي محاولة لبناء موقف دولي متماسك.
وأكد أن الجدية في إدارة الأزمات الدولية تتطلب قدرًا من الثبات والاتساق، مضيفًا بلهجة غير مألوفة في الخطاب الدبلوماسي أن كثافة التصريحات اليومية قد تتحول إلى عبء بدل أن تكون أداة قيادة، في إشارة واضحة إلى أسلوب ترامب الإعلامي.
هذا النقد يعكس قلقًا أوروبيًا أوسع من غياب وضوح استراتيجي أميركي في واحدة من أكثر الأزمات حساسية في الشرق الأوسط.
تداعيات على تماسك حلف الناتو
لم يقتصر انتقاد ماكرون على الملف الإيراني، بل امتد ليشمل البعد الأطلسي. فقد اعتبر أن إثارة الشكوك المتكررة حول التزام واشنطن تجاه حلف شمال الأطلسي يضعف بنية التحالف من الداخل.
وأوضح أن قوة الحلف لا تقوم فقط على القدرات العسكرية، بل على الثقة السياسية المتبادلة. وعندما تصبح هذه الثقة محل تساؤل يومي، فإن ذلك يفرغ الالتزامات الأمنية من مضمونها العملي.
هذا الموقف يعكس مخاوف أوروبية متزايدة من أن تتحول الولايات المتحدة إلى شريك غير متوقع، وهو ما قد يدفع دول القارة إلى إعادة التفكير في منظومة أمنها الجماعي.
التوتر الشخصي يتقاطع مع السياسي
في سياق متصل، تطرق ماكرون إلى تصريحات ترامب الشخصية التي تناولت حياته الخاصة، واصفًا إياها بأنها تفتقر إلى اللياقة والرصانة. وكان ترامب قد أشار بشكل ساخر إلى مقطع مصور يتعلق بزوجة الرئيس الفرنسي بريجيت ماكرون، في تعليق اعتُبر خروجًا عن الأعراف الدبلوماسية.
ورغم أن هذا الجانب يبدو ثانويًا، إلا أنه يعكس مستوى التوتر في العلاقات الشخصية بين القادة، وهو عامل قد ينعكس بدوره على مسار التنسيق السياسي بين البلدين.
مضيق هرمز… الواقعية مقابل المغامرة
فيما يتعلق بالوضع الميداني، قدّم ماكرون تقييمًا مختلفًا للرؤية الأميركية بشأن مضيق هرمز. فقد رفض فكرة تحريره عبر عملية عسكرية، واصفًا هذا الطرح بأنه غير واقعي.
وأوضح أن أي تحرك عسكري في هذا الممر الحيوي سيواجه تحديات معقدة، أبرزها التهديدات الساحلية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، والمخاطر الناتجة عن الصواريخ الباليستية، وهشاشة الملاحة في بيئة عسكرية مفتوحة.
وأشار إلى أن مثل هذه العملية لن تكون سريعة أو حاسمة، بل قد تتحول إلى استنزاف طويل الأمد يعرّض الاقتصاد العالمي لمخاطر إضافية.
الدعوة إلى مسار دبلوماسي
في مقابل الطروحات العسكرية، شدد ماكرون على أن الحل الوحيد القابل للاستمرار يمر عبر التهدئة السياسية. وأكد أن إعادة فتح مضيق هرمز وضمان أمن الملاحة لا يمكن أن يتحققا بالقوة، بل من خلال تفاهمات مع إيران نفسها.
ودعا إلى وقف إطلاق النار كخطوة أولى واستئناف المفاوضات بشكل منظم وبناء إطار أمني يراعي مصالح جميع الأطراف.
هذا الطرح يعكس تمسك باريس بنهج تقليدي قائم على التوازن بين الردع والدبلوماسية، في مقابل الميل الأميركي المتزايد نحو استخدام القوة.
الخلفية الاستراتيجية
يمكن فهم موقف ماكرون في سياق أوسع يتجاوز مجرد الخلاف مع ترامب. ففرنسا، ومعها عدد من الدول الأوروبية، تسعى إلى تجنب الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة، وحماية استقرار أسواق الطاقة، والحفاظ على دور أوروبي مستقل في إدارة الأزمات الدولية.
كما أن هذا الموقف يعكس إدراكًا متزايدًا بأن التصعيد غير المنضبط قد يؤدي إلى نتائج عكسية، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي.
انتقادات ماكرون لترامب تكشف عن فجوة متزايدة في الرؤى بين ضفتي الأطلسي، حيث يواجه الأسلوب الأميركي القائم على التصعيد وعدم الاتساق رفضًا أوروبيًا واضحًا. وفي ظل تعقيد الأزمة، تبدو الدبلوماسية، لا القوة العسكرية، الخيار الأكثر واقعية لتجنب انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع.

