في أعقاب اجتماع وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي، برزت ملامح توجه استراتيجي جديد داخل الحلف، يقوم على إعادة توزيع أعباء القيادة والمسؤولية بين ضفتي الأطلسي. الأمين العام للحلف مارك روتّه قدّم تصوراً واضحاً لمستقبل المنظمة، شدد فيه على ضرورة تعزيز الدور الأوروبي داخل بنية الحلف، دون المساس بالركائز التقليدية للشراكة مع الولايات المتحدة.
رؤية روتّه لا تقوم على تقليص الحضور الأميركي، بل على إعادة موازنته. فقد أكد أن الولايات المتحدة ستواصل الحفاظ على وجودها النووي والتقليدي، في وقت يتعين فيه على أوروبا وكندا تحمل نصيب أكبر من الأعباء الدفاعية، بما يعزز صلابة الحلف وقدرته الردعية.
اجتماع مختلف… ومناخ أكثر تماسكاً
بحسب ما أعلنه الأمين العام، فإن أجواء الاجتماع الأخير لوزراء الدفاع بدت مختلفة عن الدورات السابقة، سواء من حيث مستوى التوافق أو وضوح الرؤية المشتركة. وأشار إلى ملاحظة درجة أعلى من الانسجام بين الحلفاء، مع تقارب أكبر في تقييم التحديات الأمنية وفي تحديد الأولويات الاستراتيجية.
هذا المناخ، وفق القراءة السياسية للتصريحات، يعكس انتقال الحلف من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة دوره المستقبلي، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية الأوروبية.
أوروبا في قلب الاستراتيجية الدفاعية الجديدة
الرسالة الأكثر وضوحاً في تصريحات روتّه تمثلت في الدعوة إلى “ناتو بقيادة أوروبية أكثر”. هذه العبارة تعكس توجهاً متنامياً داخل الحلف نحو تعزيز الثقل الأوروبي في صنع القرار الدفاعي، وزيادة مساهمة الدول الأوروبية في التمويل والتجهيز والتصنيع العسكري.
الاجتماع ناقش خطوات عملية بهذا الاتجاه، من بينها رفع مستويات الإنفاق الدفاعي، وتوسيع قدرات الصناعات العسكرية الوطنية، وتطوير البنية الصناعية الدفاعية المشتركة. ويأتي ذلك في سياق إدراك أوروبي متزايد بأن الاعتماد شبه الكامل على المظلة الأميركية لم يعد خياراً استراتيجياً مريحاً في ظل المتغيرات الدولية.
دعم أوكرانيا واستمرار سياسة الردع
ملف دعم أوكرانيا احتل مساحة أساسية في النقاشات. الحلف أكد التزامه بمواصلة تقديم الدعم العسكري والسياسي لكييف، باعتباره جزءاً من استراتيجية الردع الشامل في مواجهة التهديدات الإقليمية. روتّه شدد على أن فاعلية الردع لا تتحقق إلا من خلال تعاون وثيق بين أوروبا وأميركا الشمالية، وبناء منظومة دفاعية متكاملة تضمن سرعة الاستجابة واستدامة الإمدادات العسكرية.
هذا التوجه يتقاطع مع التحولات الجارية داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تتزايد الدعوات إلى إنشاء بنية دفاعية أوروبية أكثر استقلالاً، وإن ظلت منسجمة مع إطار الحلف الأطلسي.
إعادة تعريف التضامن العابر للأطلسي
تصريحات روتّه فسّرها خبراء باعتبارها إشارة واضحة إلى إعادة تعريف مفهوم “التضامن العابر للأطلسي”. فبدلاً من معادلة تقليدية قوامها قيادة أميركية وتمويل أوروبي محدود، يتجه الحلف نحو صيغة أكثر توازناً، تتوزع فيها المسؤوليات بشكل أوسع.
هذا التحول لا يعني فك الارتباط مع واشنطن، بل يعكس محاولة استباقية لتأمين استمرارية الحلف في ظل تغير المزاج السياسي في الولايات المتحدة، وارتفاع الأصوات الداعية إلى تقليص الالتزامات الخارجية. ومن هنا تبدو دعوة “ناتو بقيادة أوروبية” أقرب إلى استراتيجية تحصين ذاتي للحلف، منها إلى إعادة اصطفاف جيوسياسي.
السياق الدولي والرهانات المقبلة
التحولات الجارية داخل الحلف تأتي في لحظة دولية دقيقة، تتسم بتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وارتفاع الإنفاق العسكري عالمياً. كما تتزامن مع توسع الحلف مؤخراً وانضمام أعضاء جدد، ما يفرض إعادة تقييم توزيع الأدوار داخل البنية المؤسسية والعسكرية.
في هذا الإطار، تبدو أوروبا أمام اختبار مزدوج: زيادة إنفاقها الدفاعي فعلياً، وترجمة خطاب “القيادة الأوروبية” إلى قدرات ميدانية وصناعية مستدامة. أما الحلف، فيسعى إلى تثبيت معادلة ردع أكثر توازناً تحافظ على وحدة صفه في مواجهة التحديات.
خلاصة
الحلف الأطلسي يتجه نحو إعادة توزيع أعبائه الاستراتيجية، مع تعزيز الدور الأوروبي دون تقليص الوجود الأميركي. تصريحات روتّه تعكس مرحلة إعادة تموضع داخل الحلف تهدف إلى تحصين تماسكه في ظل بيئة أمنية دولية شديدة التقلب.

