أعاد تصريح بارز صادر عن أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية فتح ملف الخلافة السياسية في تركيا، مع اقتراب البلاد من استحقاق رئاسي مفصلي. بُولنت أرينتش، الرئيس السابق للبرلمان ونائب رئيس الوزراء الأسبق، عبّر صراحة عن رفضه لفكرة انتقال القيادة من الأب إلى الابن، في إشارة مباشرة إلى الجدل المتصاعد حول مستقبل نجم نجل الرئيس، بلال أردوغان، في مرحلة ما بعد رجب طيب أردوغان.
رفض نموذج «الأب–الابن» في السياق التركي
أرينتش شدد على أن النموذج القائم على التوريث السياسي، حتى وإن كان معمولاً به في دول أخرى، لا ينسجم مع التقاليد الجمهورية في تركيا ولا يحظى بقبول عام داخل المجتمع. ولفت إلى أن التجربة السياسية التركية أقرب إلى النماذج الأوروبية منها إلى أنماط الحكم السائدة في بعض دول الشرق الأوسط أو فضاءات ما بعد الاتحاد السوفييتي، حيث تنتقل السلطة داخل العائلة الواحدة.
صعود بلال أردوغان إلى الواجهة
تصريحات أرينتش جاءت في توقيت يشهد فيه بلال أردوغان حضوراً إعلامياً وسياسياً متزايداً، رغم عدم شغله أي منصب انتخابي أو حكومي رسمي. فالتغطيات الإعلامية، ونبرة التعاطي مع ظهوره العلني، باتت تتعامل معه بوصفه فاعلاً سياسياً محتملاً، لا مجرد نجل للرئيس.
أنصار هذا المسار يرونه امتداداً طبيعياً لدوره في العمل المدني والمؤسساتي، بينما يرى منتقدون أن ما يجري يمثل محاولة تدريجية لتطبيع فكرة نقل النفوذ داخل العائلة الحاكمة مع اقتراب نهاية ولاية أردوغان الدستورية.
استطلاعات لا تمنح الأفضلية
المعطيات الميدانية لا تشير حتى الآن إلى إجماع داخل الحزب الحاكم حول بلال أردوغان كخيار أول. فقد أظهر استطلاع أُجري في ديسمبر أن اسمه يأتي متأخراً في سيناريوهات الخلافة داخل العدالة والتنمية، خلف وزير الخارجية هاكان فيدان ووزير الداخلية السابق سليمان صويلو، ما يعكس تردداً داخلياً حيال هذا الخيار.
مفاجآت أردوغان المحتملة
أرينتش لم يستبعد في الوقت نفسه سيناريوهات غير متوقعة، مذكّراً بتجربة الانتخابات الرئاسية السابقة حين فاجأ أردوغان الساحة السياسية بدعم عبدالله غُل، أحد مؤسسي الحزب، بدلاً من ترشيح نفسه. هذا التذكير يعكس قناعة بأن الرئيس لا يزال يحتفظ بورقة «المرشح المفاجأة»، وأن المشهد لم يُحسم بعد داخل أروقة السلطة.
إمام أوغلو… الاعتقال والتوقيت السياسي
في سياق متصل، تطرق أرينتش إلى اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، معتبراً أن إعلانه المبكر للترشح الرئاسي كان عاملاً رئيسياً في استهدافه قضائياً. واستعار مثلاً شعبياً ليشير إلى مخاطر التحرك المبكر في السياسة، وهو: “الديك الذي صاح مبكرا يقطع رأسه”، ملمحاً إلى أن توقيت الخطوة لعب دوراً حاسماً فيما تلاها من إجراءات.
اعتقال يهز الشارع
إمام أوغلو، الذي يُنظر إليه كأقوى منافس محتمل للرئيس، أُوقف ثم اعتُقل في مارس، في توقيت تزامن مع انطلاق الانتخابات التمهيدية داخل حزب الشعب الجمهوري. ورغم وجوده خلف القضبان، جرت عملية التصويت وشارك فيها عدد غير مسبوق من المواطنين بعد فتحها للعامة، في مشهد عكس حجم التعبئة الشعبية حول اسمه.
لاحقاً، جرى تعليق مهامه كرئيس للبلدية، في خطوة عمّقت الانقسام السياسي وأشعلت احتجاجات واسعة.
انتقاد الاعتقال الاحتياطي
أرينتش جدّد موقفه الرافض للتوسع في استخدام الحبس الاحتياطي في القضايا السياسية، مؤكداً أن محاكمة إمام أوغلو كان ينبغي أن تتم وهو طليق، لا من داخل السجن. هذا الموقف عُدّ نادراً من شخصية مؤسسة في الحزب الحاكم، ويعكس تململاً مكتوماً داخل بعض دوائره من كلفة هذه السياسات.
خلافة غير محسومة ومشهد مفتوح
تصريحات أرينتش أعادت تسليط الضوء على التوترات الكامنة داخل معسكر السلطة، بين حسابات الخلافة، وتداعيات الاعتقالات السياسية، وتحديات الحفاظ على التماسك الداخلي. ومع بقاء الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2028، أو احتمال تقديمها بقرار برلماني، يبقى المشهد مفتوحاً على مفاجآت كبرى.
الخلاصة
الجدل حول «توريث السلطة» في تركيا خرج إلى العلن من داخل الحزب الحاكم نفسه، في وقت تتقاطع فيه أسئلة الخلافة مع أزمة المعارضة واعتقال أبرز منافسي الرئيس. المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من الاصطفاف والتوتر قبل اتضاح شكل ما بعد أردوغان.

