يشكّل الانسحاب الإيراني المفاجئ من سوريا في ديسمبر 2024، وما تلاه من سقوط نظام بشار الأسد، نقطة تحول مركزية في مسار النفوذ الإيراني في المشرق. وعلى الرغم من مرور عام على تلك اللحظة الدراماتيكية، لا تزال تفاصيل ما جرى داخل المقرات الإيرانية والسورية، وأثره على بنية «محور المقاومة»، تكشف طبقات متراكمة من التنافس الداخلي بين مؤسسات الحكم في طهران، ومن إعادة رسم الخرائط الإقليمية بعد انهيار أحد أهم ركائز النفوذ الإيراني.
أوامر عاجلة ومغادرة في الظل
بحسب الأخبار الواردة في الصحف العربية، بينها “الشرق الأوسط” اللندنية، قبل ثلاثة أيام من انهيار النظام السابق، تلقّى ضباط سوريون يعملون تحت إمرة الحرس الثوري اتصالاً يطلب منهم التوجه فوراً إلى مقر العمليات في حيّ المزة فيلات شرقية. وفي صباح السادس من ديسمبر 2024، أبلغهم القائد الإيراني المعروف باسم الحاج أبو إبراهيم بانتهاء الوجود العسكري الإيراني في سوريا.
الضباط السوريون، الذين كانوا جزءاً من منظومة أمنية تقودها طهران منذ سنوات، تلقّوا التعليمات بإحراق الوثائق الحساسة، ونزع الأقراص الصلبة، وتسليم بطاقاتهم العسكرية مقابل وعد بإعادة هوياتهم المدنية لاحقاً. المشهد كان أشبه بحالة طوارئ معدّة مسبقاً، تزامنت مع خسارات ميدانية للنظام من حلب حتى حماة.
بعد ساعات فقط، كانت القنصلية الإيرانية في دمشق تُخلى بالكامل، وموظفون سوريون يُبلغون بالعودة إلى منازلهم بعد تسديد رواتب ثلاثة أشهر مقدماً، بينما غادر العاملون من مزدوجي الجنسية برفقة ضباط إيرانيين باتجاه بيروت.
انهيار حلب… وتفكك آخر خطوط الدفاع
داخل غرفة العمليات الرئيسية للقوات الإيرانية جنوب حلب، كان المشهد أكثر وضوحاً. إذ أكد ضباط سوريون أنّ الحرس الثوري فقد القدرة على الاستمرار عقب سقوط المدينة، لا سيما بعدما نفذ مقاتلون من الفصائل المعارضة هجمات انغماسية أدت إلى مقتل عناصر إيرانيين بينهم مستشار بارز، سُجل قتله رسمياً أواخر نوفمبر 2024.
عندما دخلت القوات المعارضة مقرات الإيرانيين في المدينة، وجدت وثائق شخصية وجوازات سفر تُركت خلفها على عجل، إلى جانب شعارات لحزب الله وصور رمزية معادية لإسرائيل. وخلال ساعات، جرى إجلاء نحو أربعة آلاف مقاتل إيراني عبر قاعدة حميميم الروسية، فيما فرّ آخرون إلى العراق ولبنان.
تفكك الشبكات الحليفة
مع فجر الثامن من ديسمبر، كان حزب الله قد انسحب من مواقع حساسة حول حمص والعاصمة، بينما بدت المجموعات الموالية لطهران داخل دمشق في حالة ارتباك، رغم سيطرتها السابقة على مناطق استراتيجية مثل المزة والسيدة زينب ومطار دمشق.
ومع خروج الإيرانيين، فقدت هذه المجموعات غطاءها السياسي واللوجستي، في وقت كانت فيه المنظومة العسكرية للنظام السابق تتداعى تحت ضغط تسارع العمليات الميدانية.
رواية المرشد: هزيمة مؤجلة لا مكتملة
في ظهوره الأول بعد سقوط الأسد، قدّم المرشد الإيراني رواية تعتبر ما جرى «مخططاً أميركياً – إسرائيلياً» مدعوماً من دول إقليمية، مشيراً إلى أنّ الضربات على خطوط الإمداد وإغلاق الممرات الجوية أعاقتا قدرة طهران على التدخل.
ورغم السقوط، نفى المرشد أي هزيمة استراتيجية، مؤكداً أنّ «روح المقاومة» ستعود عبر «جيل سوري جديد»، في إطار رؤية تعتبر المعركة طويلة وممتدة، وليست مرتبطة بشخص الأسد.
الحرس الثوري: سوريا جزء من الأمن القومي
منذ 2013، رسّخ الحرس الثوري فكرة أنّ سوريا ليست مجرد حليف، بل «محافظة إيرانية خامسة وثلاثون»، أهم من بعض المناطق داخل إيران نفسها.
وعلى خطى قاسم سليماني، ينظر الحرس إلى الساحة السورية بوصفها امتداداً لستار دفاعي خارج الحدود، تقوم عليه شبكة ميليشيات عابرة للجنسيات تحت شعار «حماية العتبات».
وبعد سقوط النظام، ظل موقف الحرس هو الدفاع عن استمرار النفوذ عبر بقاء الخلايا والشبكات المسلحة في سوريا، حتى ولو تراجعت القدرة على التدخل المباشر.
الدبلوماسية الإيرانية: خطاب مهدّئ وواقع ينهار
قبل الانهيار، حاولت الخارجية الإيرانية تقديم صورة مستقرة عبر زيارات علنية لدمشق، ورسائل تطمينية للأسد. لكن الصور التي التُقطت لمسؤولين إيرانيين في شوارع العاصمة قبل أيام من سقوط النظام، بدت لاحقاً جزءاً من حملة لإخفاء حجم التآكل الميداني.
وبعد السقوط، لجأت الدبلوماسية إلى خطاب دفاعي يحمّل الأزمة لمعادلات داخلية سورية و«تدخلات خارجية»، في محاولة لتخفيف مسؤولية طهران عن النتيجة.
الرواية الداخلية: حسابات الإنفاق والخسارة
الصوت الأكثر جرأة جاء من داخل مؤسسة الحكم الإيرانية نفسها، حيث أعاد مسؤولون سابقون التذكير بأنّ طهران أنفقت ما بين عشرين وثلاثين مليار دولار في سوريا، معظمها لن يعود.
ووفق شهادات لاحقة، سُددت «الديون» السورية عبر أراضٍ غير منتجة ومشاريع وهمية، في وقت كانت الاحتجاجات داخل إيران تربط بين الإنفاق الخارجي والأزمات المعيشية.
تقوم هذه المقاربة على إعادة بناء النفوذ من أسفل، عبر دعم مجموعات مسلحة محلية قد تُستخدم للضغط على أي سلطة سورية جديدة، بما يحافظ على قدرة طهران على التأثير في الحدود اللبنانية والإسرائيلية.
إعادة التموضع الإقليمي
خيار آخر يقوم على توجيه الموارد إلى ساحات نفوذ ما زالت مفتوحة، مثل العراق ولبنان واليمن وغزة، من دون الدخول في مغامرة إعادة تشكيل الحكم في دمشق.
التسوية الرمادية
سيناريو يعتمد الاختراق التدريجي عبر مشاريع اقتصادية واتفاقات أمنية محدودة، تسمح لطهران بالبقاء في المشهد السوري من دون المخاطرة بعودة نموذج تدخل شامل.
مأسسة الخسارة
وهو المسار الأكثر انسجاماً مع الوضع الداخلي الإيراني، حيث يجري تحويل خسارة سوريا إلى جزء من خطاب «المؤامرة» وتثبيت القبضة الأمنية، مع الإبقاء على رموز حضور ثقافي وديني فقط.

