عقدت لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية (USCIRF)جلسة استماع افتراضية، خُصصت لبحث ما وصفه شهود وخبراء بـ”الانتهاكات الجسيمة والممنهجة” للحرية الدينية في تركيا.
جاءت الجلسة بمشاركة رئيسة اللجنة فيكي هارتزلر ونائبها عاصف محمود، حيث أكد الأخير أن “الدفاع عن حرية المعتقد لا يزال ضرورة ملحة في عالم اليوم“.
انتهاكات بحق مختلف المجموعات الدينية
في كلمتها الافتتاحية، عدّدت هارتزلر أبرز أوجه الانتهاكات التي تعاني منها المجموعات الدينية في تركيا، بدءاً من حرمان الكنائس المسيحية من الوضع القانوني، مروراً بالقيود المفروضة على طقوس العبادة لدى الطائفة العلوية، وصولاً إلى التمييز الموجه ضد الملحدين. كما توقفت عند الحملة الواسعة التي تستهدف المنتمين إلى حركة الخدمة، وهي مبادرة مدنية دينية استلهمت فكر الراحل فتح الله كولن وكانت تشرف سابقاً على شبكة واسعة من المدارس والمؤسسات الخيرية داخل تركيا وخارجها.
قضية “محاكمة الفتيات“
لفتت هارتزلر الانتباه إلى ما يُعرف بـ”محاكمة الفتيات”، حيث تُحاكم نساء وفتيات، بينهن طالبات ثانويات، بتهم إرهاب استناداً إلى أنشطة مثل دروس القرآن الكريم أو الدروس الخصوصية أو المشاركة في اللقاءات الاجتماعية أو العيش في شقق جماعية. وسلطت الضوء على حالة أيسو بايرام، إحدى المتهمات، التي أفادت بحرمانها داخل السجن من أداء الصلوات اليومية ومن الحصول على مواد دينية.
خلفيات الحملة ضد حركة كولن
ترجع جذور الحملة إلى عام 2013، حين كشفت تحقيقات فساد طالت رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان ودائرته الضيقة. اعتبر أردوغان تلك التحقيقات “مؤامرة” من الحركة التي كانت آنذاك تحظى بدعم رسمي. وفي أعقاب محاولة الانقلاب في يوليو 2016، صنّفت الحكومة الحركة كمنظمة إرهابية، متهمة إياها بالوقوف وراء المحاولة، وهو ما تنفيه الحركة بشدة. منذ ذلك الحين شملت حملة التطهير قطاعات المجتمع كافة، حيث تم توقيف مئات الآلاف واعتقال عشرات الآلاف، من ضباط الجيش والشرطة إلى الأكاديميين والقضاة والصحفيين وموظفي الخدمة المدنية، وحتى ربات المنازل.
وضع الكنائس البروتستانتية
قدم رمضان أركان، رئيس جمعية الكنائس البروتستانتية في تركيا، شهادة أمام اللجنة، مؤكداً أن نحو عشرة آلاف بروتستانتي يعيشون في فراغ قانوني. فلا كنيسة بروتستانتية معترف بها رسمياً كدار عبادة، ومحاولات بناء الكنائس تُواجه بالعرقلة، في حين يُمنع تدريب القساوسة محلياً، ويُرحَّل القساوسة الأجانب. وأضاف أن متطوعين يُتهمون بالتهديد الأمني وتُسحب منهم تصاريح الإقامة، رغم مناشدات داخلية وخارجية لم تغير من الواقع شيئاً.
الطائفة العلوية وغياب الاعتراف
من جانبه، شدد حيدر دوغان، رئيس اتحاد مؤسسات العلويين، على أن العلويين الذين يشكلون ما يقارب خمس سكان تركيا ما زالوا بلا اعتراف رسمي. فـ”الجمعيات العلوية” (الجَماخانات/الجمعيات الروحية) لا تُعد دور عبادة قانونياً، وقادتهم الروحيون (الدَدَة والبابا) بلا صفة رسمية. وانتقد دوغان تعامل الدولة مع العلوية كـ”تراث فولكلوري” لا كمذهب ديني، داعياً إلى الاعتراف المؤسسي، وإصلاح المناهج التعليمية، ومواجهة خطابات الكراهية.
قيود تتجاوز الأقليات
حذر الخبير الدولي توماس شيرماخر من أن القيود الدينية في تركيا لا تطال الأقليات فقط، بل تمتد أيضاً إلى أوساط من الأغلبية السنية. وأشار إلى القمع ضد أتباع حركة كولن وبعض الطرق الصوفية والملحدين، فضلاً عن ما وصفه بوجود “أكثر من مليون أرمني مستترين يعيشون حياة مزدوجة بين الهوية العلنية السنية والانتماء الأرمني الخفي”. كما لفت إلى أن إعادة فتح معهد خالكي اللاهوتي، رغم أهميته، لا يمثل سوى خطوة صغيرة أمام المشكلات البنيوية التي تعاني منها مختلف المجموعات الدينية.
معهد خالكي وحساسية الرموز الدينية
لا يزال معهد خالكي، الواقع في جزيرة هيبلي أضا بإسطنبول، مغلقاً منذ عام 1971 بموجب قانون منع التعليم العالي الخاص. ورغم الضغوط الدولية وتعهدات الحكومات التركية المتعاقبة، لم يُفتح المعهد مجدداً، ما يعيق الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية عن إعداد قساوسة محليين. كما أثارت إعادة تحويل آيا صوفيا إلى مسجد انتقادات دولية جديدة، ربطها نواب أمريكيون بتراجع التعددية الدينية في البلاد.
البعد التاريخي والسياسي
قدم الباحث سونر تشاغابتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن، قراءة تاريخية للمشهد، واضعاً السياسات الحالية في سياق الانتقال من الجمهورية الكمالية العلمانية إلى حقبة أردوغان التي أعادت الدين إلى صلب الحياة العامة. واعتبر تركيا “دولة محورية متأرجحة بين القوى العالمية”، داعياً واشنطن إلى بناء شراكة مؤسساتية طويلة المدى بدلاً من الاعتماد على العلاقات الشخصية بين القادة.
مواقف أمريكية حادة
النائب الأمريكي غاس بيليراكيس قدّم الموقف الأكثر حدة، مذكّراً بما اعتبره “تطهيراً عرقياً وثقافياً“ تعرض له اليونانيون الأرثوذكس في تركيا على مدار القرن الماضي. وقال إن عددهم تقلص من ملايين إلى بضعة آلاف فقط، منتقداً إغلاق معهد خالكي وتحويل آيا صوفيا، وداعياً لتصنيف تركيا رسمياً كـ”دولة مثيرة للقلق الخاص” في مجال الحرية الدينية.
خلاصة المشهد
أبرزت الجلسة أن الأزمة في تركيا لا تقتصر على الأقليات الدينية بل تشمل شرائح من الأغلبية المسلمة نفسها، وسط منظومة قانونية تفتقر للاعتراف بالتعددية. وبالنسبة للجنة الأمريكية، فإن الشهادات المقدمة أكدت ما جاء في تقريرها السنوي الأخير عن تصاعد التمييز وغياب المساواة أمام القانون.

