ليست كل الجراح نتاج أذى مباشر من الآخرين؛ فبعضها ينشأ بصمتٍ طويل من الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه عبر السنوات. وفي تجربة الأمومة المجروحة، لا يتمثل الألم الأعمق في الفقد أو البُعد وحده، بل في ذلك السؤال الداخلي القاسي الذي لا يكف عن التردّد: هل كنتُ أنا السبب؟
تشير دراسات علم النفس العاطفي إلى أن كثيرًا من الأمهات اللواتي يعشن قطيعة أو مسافة نفسية مع أبنائهن لا يحملن ألم الغياب فقط، بل يحملن عبئًا أشدّ وطأة: شعورًا دفينًا بالذنب، وصوتًا داخليًا ناقدًا تشكّل عبر سنوات من التوقعات الاجتماعية والمعايير المثالية. فليس صمت الابن وحده ما يوجع، بل الصمت الداخلي الذي تعلّمت فيه الأم أن تتماسك حتى فقدت القدرة على التعبير.
يرى علماء النفس أن الشفاء لا يبدأ بمحاولة محو الألم أو إنكاره، بل بالاعتراف بما هو مكبوت، وبإفساح المجال لتلك الجوانب غير المعاشة من النفس كي تُرى وتُفهم. فالتعافي الحقيقي لا يكون صاخبًا، بل يظهر في تحولات صغيرة، داخلية، صامتة.
مسامحة الذات بدل محاكمتها
أولى إشارات التعافي العاطفي أن تبدأ الأم في مسامحة نفسها على المرأة التي كانتها في زمن لم تكن فيه تملك وعيًا أو خيارات أوسع.
لسنوات، ربما قستِ على نفسكِ مقارنةً بصورة مثالية للأم: صورة تعرف كل شيء، وتتحمل كل شيء، وتُخطئ نادرًا. هذه الصورة، كما يصفها علم النفس الاجتماعي، ليست واقعية بقدر ما هي نتاج ثقافي جمعي، يُحمّل الأم ما يفوق طاقتها الإنسانية.
عندما يبدأ التعافي، يحدث تحول داخلي مهم: تُدركين أنكِ لم تكوني كاملة، ولم يكن مطلوبًا منكِ ذلك أصلًا.
تنظرين إلى ماضيكِ بعين الفهم لا الاتهام، وتستوعبين أنكِ في ظل الإرهاق والوحدة وثقل المسؤولية، بذلتِ ما استطعتِ وفق ما كان متاحًا لكِ آنذاك.
التخفف من دور المنقذ
تشير أبحاث علم النفس العلائقي إلى أن كثيرًا من الأمهات المجروحات يطوّرن نمطًا لا شعوريًا يقوم على العطاء المستمر بوصفه شرطًا للبقاء في العلاقة.
طالما أُعطي، فأنا موجودة.
طالما أُساند، فلن أُهمل.
لكن مع بداية التعافي، يتغيّر هذا النمط.
تتوقفين تدريجيًا عن محاولة إنقاذ الجميع، وتبدئين بالإنصات إلى احتياجاتكِ الخاصة. يظهر صمت جديد، ليس انسحابًا عدائيًا، بل مساحة داخلية تُستعاد فيها القدرة على سماع الصوت الذاتي الذي طال إسكاته.
هذا التحول لا يعني الأنانية، بل يشير إلى نشوء وعي صحي بالذات، حيث تصبح المسؤولية موجّهة أيضًا إلى الداخل، لا إلى الآخرين فقط.
السماح للحزن أن يُعاش
لفترات طويلة، يُعلَّم الإنسان – وخاصة الأمهات – أن الحزن ضعف، وأن الاستمرار أولى من التوقّف. لذلك يُكبت الحزن ويُؤجَّل ويُهمَل.
لكن علم النفس يؤكد أن المشاعر المكبوتة لا تختفي، بل تعود بأشكال أكثر إيلامًا.
في التعافي، تسمحين للحزن أن يكون.
لا كدراما، بل كحقيقة إنسانية.
دموع صامتة لا تعني الانهيار، بل نهاية المقاومة المستنزِفة.
الحزن هنا لا يُفهَم كعلامة عجز، بل كعملية تنظيم نفسي، تسمح للعقل والجسد بمعالجة ما فاق طاقتهما سابقًا. في هذا القبول، يحدث شكل من الاحتضان الداخلي لما يُعرف في علم النفس بـ”الذات الطفولية” أو الجزء الحساس من النفس، الذي طالما أُهمل باسم القوة.
استبدال التوبيخ الداخلي بالفهم
في مراحل سابقة، ربما كان الصوت الداخلي قاسيًا، سريع الإدانة، لا يرى إلا الخطأ.
لكن مع التعافي، تبدأين بمراقبة ردود أفعالكِ بدل معاقبتها.
لا تعود الأسئلة:
“ما خطبي؟”
بل:
“ما الذي أثّر بي؟ ما الذي أحتاجه الآن؟”
هذا التحول يعكس تطورًا في الوعي الذاتي، حيث يُعاد تفسير الغضب بوصفه حاجة لحدود، والإرهاق كإشارة إنذار، والصمت كآلية حماية. هنا، يتحول النقد الداخلي إلى فضول رحيم، وتُستعاد القدرة على فهم الذات بدل كسرها.
تقليل المنفعة وزيادة الحضور الذاتي
من أبرز علامات الشفاء أن تتغير علاقتكِ بفكرة “المنفعة”.
لم تعودي متاحة دائمًا، ولا مستعدة للتضحية التلقائية، ولا مجبرة على إثبات قيمتكِ عبر العطاء المستمر.
تشير نظريات علم النفس الإنساني إلى أن ربط القيمة الذاتية بالمنفعة وهمٌ علائقي شائع، يؤدي إلى إنهاك طويل الأمد. ومع التعافي، يبدأ هذا الوهم بالتفكك. لا لأنكِ انسحبتِ، بل لأنكِ أصبحتِ أكثر وعيًا بما يُغذّيكِ وما يستنزفكِ.
قد تتغير بعض العلاقات، وقد يبتعد من اعتاد حضوركِ بلا حدود. لكن في هذا الفراغ، تنشأ مساحة جديدة: مساحة الكرامة والاختيار والهدوء الداخلي.
خاتمة: التعافي بوصفه عودة لا هروبًا
التعافي العاطفي ليس حدثًا مفاجئًا، ولا إعلانًا بانتهاء الألم. إنه عملية هادئة، تُعيدكِ إلى ذاتكِ بعد طول غياب.
قد لا يتغير الخارج كثيرًا،
وقد تبقى بعض الخسارات،
لكن علاقتكِ بنفسكِ تتغيّر جذريًا.
وهذا وحده كفيل بتغيير كل شيء.

