يؤكد الصحفي التركي آدم ياوز أرسلان المقيم في واشنطن أن ما يُحاط بالسرية في مراكز القرار الكبرى لا يظل مخفياً طويلاً، فوجود صحافة استقصائية فعّالة كفيل بكشف أكثر الملفات حساسية. وهذا ما حدث بالفعل في ملف الحرب المحتملة مع إيران، حيث بدأت تتضح الصورة بشأن الكيفية التي جرى بها إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالموافقة على خيار عسكري بالغ الخطورة.
المعطيات التي كشفتها تسريبات وتقارير صحفية، وعلى رأسها ما نشرته وسائل إعلام أمريكية بارزة، ترسم ملامح عملية صنع قرار معقدة، لكنها في جوهرها انتهت إلى حسم فردي قائم على تصور سريع للنتائج، أكثر من كونه استناداً إلى تقييمات استراتيجية بعيدة المدى.
داخل غرفة القرار: الاجتماع الحاسم في البيت الأبيض
تشير التفاصيل إلى أن مركز الثقل في هذه العملية كان داخل “غرفة العمليات” في البيت الأبيض، وهي المساحة الأكثر حساسية حيث تُدار الحروب وتُتخذ القرارات المصيرية.
زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن لم تكن اعتيادية بأي شكل. غابت المراسم الرسمية المعتادة، واختفى الظهور الإعلامي، ما عكس طبيعة الاجتماع المغلق الذي حمل طابعاً استثنائياً.
في هذا الاجتماع، لم يُعرض الملف الإيراني كتحليل استخباراتي تقليدي، بل قُدم كخطة عمليات متكاملة تحمل وعوداً بنتائج ملموسة وسريعة.
من “تقييم استخباراتي” إلى “عرض تسويقي”
بحسب تحليل أرسلان، فإن العرض الإسرائيلي تجاوز كونه إحاطة معلوماتية، ليتحول إلى ما يشبه “عرضاً تسويقياً” عالي الإعداد.
الرسالة كانت واضحة ومركزة: إيران دولة ضعيفة نسبياً، والنظام السياسي فيها هش وقابل للاهتزاز، بحيث قد تُحدث ضربة عسكرية قصيرة تأثيراً حاسماً، ويؤدي إلى انهيار داخلي للنظام خلال مدة قصيرة.
لم يقتصر العرض على الطرح النظري، بل تضمن مواد بصرية، من بينها مقاطع فيديو تستعرض سيناريوهات ما بعد سقوط النظام، مع إبراز أسماء بديلة محتملة للحكم، وعلى رأسها رضا بهلوي.
هذا التفصيل، وفق أرسلان، يكشف أن النقاش لم يكن حول ضربة عسكرية محدودة فحسب، بل امتد ليشمل احتمالات تغيير النظام بالكامل.
عامل الزمن: “اضرب الآن لتربح”
أحد أهم محاور الإقناع كان عنصر التوقيت. نتنياهو شدد على أن الانتظار سيزيد من تكلفة المواجهة، بينما التحرك المبكر قد يحقق مكاسب سريعة.
في ثقافة اتخاذ القرار داخل واشنطن، يلعب “الخوف من التأخر” دوراً محورياً، وغالباً ما يتفوق هذا العامل على الحسابات التقنية البحتة. وقد كان لهذا الطرح تأثير واضح في توجيه النقاش.
اعتراضات داخلية: انقسام مؤسساتي واضح
في المقابل، لم يكن الإجماع قائماً داخل الإدارة الأمريكية.
التقييمات التي قدمتها المؤسسات الاستخباراتية والعسكرية رسمت صورة مختلفة تمثلت في إمكانية إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، والإمكانية التقنية لاستهداف قيادات عليا، لكن سيناريو تغيير النظام اعتُبر غير واقعي.
مدير وكالة الاستخبارات المركزية وصف فكرة إسقاط النظام بأنها “غير منطقية”، بينما أبدى وزير الخارجية تحفظاً واضحاً على هذا الهدف.
هذا التباين يعكس، بحسب أرسلان، انقساماً حقيقياً داخل دوائر صنع القرار.
موقف نائب الرئيس: تحذيرات استراتيجية واقتصادية
برز نائب الرئيس جي دي فانس كأحد أبرز المعارضين للعملية.
تحذيراته شملت عدة مستويات شملت التكلفة الاقتصادية المرتفعة للحرب، واحتمالات ارتفاع أسعار النفط وتأثيرها على الاقتصاد العالمي، وخطر انقسام القاعدة الشعبية المؤيدة لترامب، وعدم القدرة على التنبؤ برد الفعل الإيراني.
هذه النقاط، خاصة ما يتعلق بعدم قابلية التوقع، اعتُبرت من أخطر ما طُرح خلال النقاش.
المؤسسة العسكرية: جاهزية محدودة ومخاوف لوجستية
القيادة العسكرية بدورها لم تكن متحمسة بالكامل. رئيس هيئة الأركان أشار إلى تراجع مخزونات الذخيرة نتيجة الدعم المستمر لأوكرانيا وإسرائيل.
فتح جبهة جديدة مع إيران، بوصفها هدفاً أكبر وأكثر تعقيداً، كان يُنظر إليه كخطوة قد تضغط على القدرات الأمريكية إلى حد خطير.
قرار قائم على “النتيجة” لا “العملية”
رغم كل هذه التحفظات، كان الحسم بيد ترامب.
وفق تحليل أرسلان، فإن الرئيس الأمريكي لم يُعطِ وزناً كبيراً للتفاصيل التقنية، بل ركز على سؤالين أساسيين: هل يمكن إضعاف إيران؟ وهل يمكن استهداف قيادتها؟
وبما أن الإجابات كانت إيجابية، لم يعتبر غياب ضمان إسقاط النظام عائقاً جوهرياً.
هذا النمط يعكس أسلوباً معروفاً في قراراته، يقوم على تفضيل النتائج السريعة والملموسة على الحسابات الاستراتيجية طويلة الأمد.
الاجتماع الأخير: تثبيت القرار
في الاجتماع الختامي، كانت المواقف قد تبلورت: نائب الرئيس أعلن معارضته لكنه التزم بدعم القرار، في حين أن وزير الخارجية رفض فكرة تغيير النظام، بينما البنتاغون أقر بإمكانية التنفيذ مع تحذير من التكلفة.
أما ترامب، فقد أنهى الجدل بإقرار تنفيذ العملية، لتدخل بعدها مرحلة اللاعودة.
إعلان الموافقة من على متن الطائرة الرئاسية أكد أن القرار أصبح نهائياً.
الحرب كخيار سياسي
يرى أرسلان أن ما جرى يعكس قاعدة معروفة في السياسة الدولية: الحروب لا تنشأ تلقائياً، بل يتم اختيارها.
في الحالة الإيرانية، لم يكن القرار نتيجة غياب المعلومات، بل جاء بعد عرض كافة السيناريوهات، بما فيها الأكثر تشاؤماً. ومع ذلك، تم تغليب منطق “الفرصة السريعة” على حساب “المخاطر المتراكمة”.
تطورات سياقية حديثة
في ضوء التطورات الأخيرة، تتزايد التحذيرات الدولية من اتساع نطاق أي مواجهة محتملة مع إيران، خاصة مع تعقيد شبكة التحالفات الإقليمية، وارتباط الملف الإيراني بملفات أخرى كأمن الطاقة والممرات البحرية.
كما أن البيئة الدولية الحالية، المثقلة بصراعات مفتوحة، تجعل من أي تصعيد جديد عاملاً مضاعفاً لعدم الاستقرار العالمي.
سؤال مفتوح: من يقرر الحرب؟
يختتم أرسلان تحليله بطرح إشكالية جوهرية: هل يمكن لقرار بحجم إشعال حرب ذات تأثير عالمي أن يُحسم ضمن دائرة ضيقة، وباعتماد كبير على تقدير شخصي؟
هذا السؤال لا يتعلق فقط بهذه الحالة، بل يمس طبيعة النظام الدولي وآليات اتخاذ القرار فيه.

