بقلم: ياوز أجار
في الطبقات العميقة للسياسة الدولية، لا تُدار صراعات القوة غالبًا عبر الحروب المباشرة، بل من خلال أدوات أكثر خفاءً وتعقيدًا. من بين هذه الأدوات، تبرز استراتيجية تقوم على تفكيك البنية الداخلية للدول عبر دفعها نحو الراديكالية، بما يؤدي إلى تضييق المجال السياسي وإضعاف التوازن المجتمعي. هذه المقاربة، التي اعتمدتها أجهزة الاستخبارات، لا تقتصر على خلق تنظيمات جديدة فقط، بل تشمل أيضًا توظيف الهياكل القائمة عبر وضعها في مواجهة بعضها البعض، لإنتاج حالة من “الفوضى المُدارة”. وهذه الفوضى ليست عرضًا عابرًا، بل تمهيد منهجي لعملية تصفية أعمق.
الراديكالية كأداة لتفريغ المجال السياسي
حين تضعف القوى السلمية والتوافقية داخل أي مجتمع، فإن المجال يُفسح تلقائيًا أمام القوى المتطرفة لتتصدر المشهد. ومع الوقت، ينحصر الفضاء السياسي بين قطبين متناقضين، فيما تتآكل الخيارات الوسطية والديمقراطية. في هذه الحالة، يجد المجتمع نفسه أمام خيارين قاسيين: إما القبول بنزعة سلطوية بدافع الأمن، أو الغرق في حالة مستمرة من عدم الاستقرار.
تقدم الحالة التركية مثالًا معقدًا يُستشهد به في هذا السياق. إذ تشير بعض التحليلات إلى أن بعض التنظيمات المسلحة لم تعمل فقط وفق أجنداتها الأيديولوجية، بل جرى توظيفها ضمن توازنات أوسع. في هذا الإطار، يُطرح أن دور حزب العمال الكردستاني لم يقتصر على الصراع المسلح، بل أسهم أيضًا، في إضعاف التيارات الكردية الأكثر انفتاحًا، وكذلك التيارات اليسارية التركية ذات النزعة الديمقراطية. في المقابل، برزت جماعة حزب الله (التركي) كعنصر موازن في مواجهة نفوذ العمال الكردستاني.
جوهر المسألة هنا لا يكمن في وجود هذه التنظيمات بحد ذاته، بل في كيفية توظيفها ضمن سياقات أوسع. فالنتيجة النهائية لم تكن القضاء على العنف، بل إضعاف الفاعلين المدنيين، وتهميش النخب السياسية القادرة على إنتاج بدائل ديمقراطية حقيقية. وهكذا يُحرم المجتمع من خياراته الطبيعية، ويُدفع نحو مسارات أكثر هشاشة.
المركزية المفرطة: حين يتحول الاستقرار إلى هشاشة
في بيئة يغلب عليها التوتر، يزداد الطلب على القيادة القوية. غير أن هذا الميل، وإن منح شعورًا مؤقتًا بالاستقرار، فإنه يُفضي على المدى الطويل إلى إضعاف المؤسسات. تتراجع آليات الرقابة، وتتقلص مساحات المشاركة، وتتركز السلطة في نطاق ضيق.
الأنظمة التي تُدار من مركز واحد تبدو أكثر انضباطًا، لكنها في الواقع أكثر عرضة للتأثير الخارجي. فالدول التي تمتلك مؤسسات متوازنة وشبكات قرار متعددة يصعب اختراقها، بينما يسهل التأثير في الأنظمة التي تختزل القرار في شخص أو دائرة محدودة.
الحروب كأدوات: بين الذرائع والغايات
لا تنشأ الحروب دائمًا نتيجة قرارات داخلية صِرفة، بل قد تكون جزءًا من حسابات أوسع. في كثير من الأحيان، تُستخدم سياسات الدول أو خطاب قادتها كذريعة لتبرير تدخلات خارجية ذات أهداف استراتيجية.
تُعد إيران مثالًا واضحًا في هذا السياق. فخطابها الراديكالي وأنشطتها الإقليمية يمنحان خصومها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وإسرائيل، مبررات جاهزة للتدخل والضغط. غير أن هذا التبرير يتجاوز البعد الأمني، ليعكس أيضًا رغبة في الحد من الدور الإقليمي الإيراني وإعادة تشكيل توازنات القوة.
ضمن هذا الإطار، تبرز مخاوف مشابهة في الحالة التركية. إذ يرى بعض المراقبين أن الخطاب الحاد للرئيس رجب طيب أردوغان تجاه إسرائيل، رغم محدودية تأثيره العملي، قد يُستخدم كأداة لتبرير ضغوط أو تدخلات خارجية. وقد زادت هذه المخاوف بعد تصريحات أدلى بها جو كينت، أشار فيها إلى أن أي مواجهة محتملة بين تركيا وإسرائيل في الساحة السورية قد تضع تحالفات كبرى أمام اختبارات غير مسبوقة.
من هنا تبرز فكرة محورية: كما أن الخطاب الإيراني يُستخدم لتبرير التدخلات، فإن الخطاب التركي قد يؤدي وظيفة مشابهة. في هذه الحالة، لا يكون الهدف هو القيادة السياسية وحدها، بل يمتد إلى إضعاف الدولة نفسها وإمكاناتها وتقليص قدرتها على التأثير في المستقبل. كما قد يُفتح المجال أمام قوى أكثر توافقًا مع المصالح الخارجية.
وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى احتمال توتر أو صدام بين تركيا وإسرائيل باعتباره مجرد نزاع ثنائي، بل كجزء من إعادة تشكيل أوسع للمنطقة.
من الصعود إلى التعثر: تحولات التجربة التركية
شهدت تركيا في العقد الأول من الألفية تحولًا لافتًا، اتسم بإصلاحات داخلية، وانفتاح دبلوماسي واسع، وتوازن في العلاقات الدولية. هذا المسار عزز من موقعها كفاعل إقليمي قادر على التواصل مع أطراف متعددة.
غير أن هذا التوازن لم يدم. فقد أدت التوترات مع إسرائيل، وتصاعد الخطاب الأيديولوجي، والانخراط المكثف في أزمات إقليمية مثل سوريا وليبيا ومصر، إلى استنزاف القدرات وإضعاف المرونة الاستراتيجية.
يمكن وصف هذه المرحلة بأنها “ولادة مبكرة” أو “تسريع قسري” لمسار كان يحتاج إلى نضج تدريجي. فالتحولات جاءت أسرع من قدرة البنية المؤسسية على استيعابها، ما أدى إلى تآكل العمق المؤسسي وتزايد الهشاشة.
التطبيع الخارجي وحدوده الداخلية
في السنوات الأخيرة، سعت تركيا إلى إعادة بناء علاقاتها مع عدد من دول المنطقة، في محاولة لاستعادة التوازن. وقد وفرت هذه الخطوات متنفسًا دبلوماسيًا واقتصاديًا نسبيًا.
لكن هذا الانفتاح الخارجي يظل محدود الأثر ما لم يترافق مع إصلاح داخلي حقيقي. فغياب سيادة القانون وضعف المؤسسات المستقلة يقيدان فرص التعافي الاقتصادي، ويجعلان البلاد أكثر عرضة للضغوط الخارجية.
في هذا السياق، يظهر مفهوم “نقطة الضعف” أو “الخاصرة”. إذ إن التحديات الداخلية تمنح الفاعلين الخارجيين أدوات إضافية للتأثير. وعليه، فإن استهداف القيادة السياسية لا يُفهم فقط كخلاف سياسي، بل كجزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل الدولة بما يتوافق مع مصالح خارجية.
الخلاصة: بين الهشاشة والقدرة على التعافي
لا تُقاس قوة الدول فقط بقدراتها العسكرية، بل بمتانة مؤسساتها وتوازنها الداخلي. حين تُقصى الكفاءات، وتُهمش الأصوات المعتدلة، وتُحتكر السلطة، فإن النظام يبدو قويًا في الظاهر، لكنه يراكم عوامل ضعفه في العمق.
ومع ذلك، فإن المجتمعات لا تبقى أسيرة هذه الحالة إلى الأبد. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن النخب التي تُقصى تعود في لحظات التحول، غالبًا بخبرة أعمق ورؤية أكثر نضجًا.
يبقى السؤال الحاسم:
هل تستطيع الدول إعادة بناء توازنها الداخلي لتصبح فاعلًا في صياغة مستقبلها، أم تظل ساحة لتجاذبات الخارج؟
الإجابة لا تصوغها النخب الحاكمة وحدها، بل تتشكل من تفاعل المجتمع بأسره مع تحدياته واختياراته.

