في ظل تزايد الرقابة الحكومية وتضييق الحريات على وسائل التواصل الاجتماعي في تركيا، أعلن الكوميدي التركي الشهير جم يلماز عن مغادرته منصة “إكس” (تويتر سابقاً) وانضمامه إلى منصة “بلو سكاي”، وذلك بعد تعرضه لانتقادات واسعة بسبب صمته إزاء اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، وما أعقبه من احتجاجات شبابية ضد الحكومة.
وكان يلماز، الذي بلغ عدد متابعيه على “إكس” نحو 16.3 مليون شخص، قد واجه حملة انتقادات حادة لعدم تعبيره عن تضامنه مع المظاهرات المناهضة للحكومة، والتي اندلعت عقب توقيف إمام أوغلو في 23 مارس الماضي بتهم تتعلق بالفساد، وهي التهم التي ينظر إليها على نطاق واسع بوصفها ذات دوافع سياسية، نظراً لكون إمام أوغلو يعد أبرز خصوم الرئيس رجب طيب أردوغان.
كما تعرض يلماز للانتقاد لعدم دعمه لحملة المقاطعة التي أطلقتها المعارضة، ممثلة في حزب الشعب الجمهوري، ضد الشركات والوسائل الإعلامية الموالية للحكومة، الأمر الذي اعتبره البعض تواطؤاً غير مباشر مع محاولات إسكات الأصوات المعارضة.
وفي أعقاب موجة الانتقادات، نشر يلماز تعليقاً عبر “إكس” أكد فيه أنه سيستخدم منصات التواصل وفقاً لاختياره، منتقداً بعض متابعيه، قبل أن يوجه لاحقاً انتقاداً صريحاً لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون الرسمية “TRT”، بسبب فرضها عقوبات على الممثلين الذين أعلنوا تأييدهم لحملة المقاطعة.
وفي خطوة لافتة، أعلن يلماز يوم الأحد عبر “بلو سكاي” عن إغلاق حسابه على “إكس”، داعياً الآخرين إلى اتخاذ الخطوة ذاتها، ليصل عدد متابعيه على المنصة الجديدة بحلول الاثنين إلى أكثر من 44 ألفاً.
يُذكر أن يلماز كان قد أعلن تأييده العلني خلال الانتخابات الرئاسية عام 2023 لزعيم حزب الشعب الجمهوري آنذاك، كمال كليتشدار أوغلو، الذي خسر السباق الرئاسي أمام أردوغان في جولة الإعادة.
ويُعد من الشائع في تركيا أن يتعرض الفنانون والشخصيات العامة لعقوبات مهنية مباشرة، من قبيل الحظر غير الرسمي، أو إلغاء الفعاليات، أو فسخ العقود، وذلك على خلفية تصريحاتهم السياسية أو مواقفهم المناهضة للحكومة، ما يدفع كثيرين منهم إلى التزام الصمت تفادياً للعواقب، وهو ما يثير بدوره استياء شريحة من الجمهور.
وتأتي مغادرة يلماز لمنصة “إكس” في وقت تتزايد فيه الانتقادات ضد الحكومة التركية بسبب القيود المفروضة على حرية التعبير، لا سيما عبر الفضاء الرقمي. فقد أفادت الشركة المالكة لـ”إكس” في نهاية مارس بأن السلطات التركية أصدرت أوامر قضائية لحجب أكثر من 700 حساب منذ توقيف إمام أوغلو، ووصفت تلك الأوامر بأنها “غير قانونية”، معلنة نيتها الطعن عليها أمام القضاء.
وبالفعل، قدمت الشركة طعناً أمام المحكمة الدستورية في تركيا ضد قرار حجب 126 حساباً مرتبطاً بالاحتجاجات، فيما تشير تقديرات إلى أن عدد الحسابات التي تم حظرها فعلياً يفوق ذلك بكثير، وقد يصل إلى المئات، بما في ذلك حسابات لصحفيين وناشطين ومنصات إعلامية داخل البلاد وخارجها.
ومن بين الحسابات التي تم حجبها مؤخراً أيضاً، حسابا الممثلَين روجدا ديميرير وأليجان يوجيسوي، بعد إبدائهما دعماً علنياً لحملة المقاطعة، وذلك بموجب أحكام قضائية.
وفي هذا السياق، وجّه زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، نداءً إلى منصة “إكس” دعاها فيه إلى عدم الرضوخ لضغوط الحكومة، مطالباً مكتبها في تركيا وقسم الشؤون الحكومية العالمية فيها بإعادة النظر في استجابتها لما وصفها بـ”المطالب المنافية للديمقراطية”.
وقال أوزيل في بيان علني: “إن إكس تحجب مئات الحسابات، ظنّاً منها أن ذلك سيمر دون ملاحظة. لكن إن أصبحتَ أداة في يد ممارسات لا ديمقراطية، وإن استجبت لأوامر حظر الوصول، فعليك أن تفكر ملياً فيما سيفعله بك هذا الشعب!”.
وتجدر الإشارة إلى أن منصة “إكس”، تحت إدارة إيلون ماسك، قد تعرضت لانتقادات واسعة بسبب استجابتها لمطالب الرقابة الصادرة عن أنظمة استبدادية، حيث تحتل تركيا موقعاً متقدماً بين الدول التي تطالب بحظر الحسابات أو إزالة المحتوى بشكل دوري.
وتؤكد هذه التطورات المتسارعة تصاعد التوتر بين الحكومة التركية ومؤسسات التعبير الحر، في مشهد يعيد إلى الأذهان موجات القمع التي أعقبت احتجاجات “غيزي بارك” عام 2013، ويثير تساؤلات جادة حول مستقبل حرية التعبير في البلاد.

