في تركيا الجديدة… كل شيء قد يُدرج على قائمة الإرهاب
في مشهد يعكس الحالة المقلقة التي وصلت إليها تركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية، تتصاعد مؤشرات الانهيار المؤسسي والأخلاقي معًا، حيث تُصنّف اللافتات الطلابية خطرًا أمنيًا، وتُدرج محلات الكُنافة ضمن مخطط “إرهاب الحلوى”، وتُمارس هندسة سياسية وقضائية للمعارضة. الكاتب والمحلل السياسي أرقم طوفان يقدّم قراءة مفصلة لهذا المشهد، معتبرًا أن ما يحدث هو مزيج من الفشل السياسي، والهلع السلطوي، وغياب القانون.
“الولاء أو الفوضى”… الأجواء القمعية في الكلية الحربية
تحت وقع صدمة ترديد بعض الطلاب العسكريين لشعار “نحن جنود مصطفى كمال” في حفل تخرج العام الماضي، ساد الذعر أروقة الحكم. هذا الشعار الذي كان يومًا يُفتخر به في المؤسسة العسكرية، أصبح في ظل النظام الحالي يُعد تمردًا فكريًا على مشروع “الجيش المطيع”.
هذا العام، أعلنت السلطات بشكل غير رسمي “حالة طوارئ” في الكلية الحربية. تم تقنين حضور العائلات، ومُنع التصوير، وفرضت أوامر غريبة. الهدف، وفق طوفان، هو منع تكرار أي مظاهر للهوية الكمالية داخل المؤسسة العسكرية التي يحاول النظام إعادة تشكيلها بالكامل.
فشل مشروع السيطرة على وعي الشباب
رغم امتلاك الحكومة لوزارة التعليم منذ أكثر من 23 عامًا، وفرضها لمناهج ومقابلات ومؤسسات تعليمية، فإن فئة الشباب تبقى خارج السيطرة السياسية للعدالة والتنمية. الاستطلاعات تثبت أن الشباب الأتراك، بمن فيهم خريجو مدارس “إمام وخطيب”، يصوتون بنسب ضئيلة لصالح الحزب الحاكم. والسبب ببساطة – كما يوضح طوفان – هو أن النظام لا يملك أي مشروع مستقبلي واقعي أو عادل لهؤلاء الشباب.
اعتقال إمام أوغلو ومحاولات تسييس العدالة
لا يزال عمدة إسطنبول المنتخب، أكرم إمام أوغلو، في السجن بتهم وُصفت على نطاق واسع بأنها ذات دوافع سياسية. المثير للقلق هو أن السلطات تمنعه من لقاء مسؤولي الحزب في إسطنبول أو أسرته، في عزلة تشبه “الإعدام البطيء سياسيًا”.
طوفان يرى في هذه الخطوة محاولة لتحويل إمام أوغلو إلى “جثة سياسية” رغم استمرار شعبيته، بل وتزايدها، ما يُربك النظام ويجعله أكثر شراسة في حملاته القمعية.
سيناريو محتمل للسيطرة على حزب الشعب الجمهوري
في تطور أخطر، تلوح في الأفق محاولة لإعادة كمال كليتشدار أوغلو إلى رئاسة حزب الشعب الجمهوري عبر القضاء. وثيقة مسربة من المحكمة تشير إلى احتمال بطلان مؤتمر انتخاب أوزجور أوزيل، ما قد يمهد لتعيين قضائي جديد.
يؤكد طوفان أن هذا السيناريو – إن تحقق – سيقود حتمًا إلى انقسام المعارضة، وربما تشكيل جناح بديل يمثل الخط الجديد بقيادة أوزجور أوزيل، ما يعني تفتيت القاعدة المعارضة، وهو ما تسعى له السلطة منذ سنوات.
مهزلة “كُنافة إرهابية”… حين يتحول الاقتصاد إلى مسرح أمني
في سابقة تُثير السخرية أكثر من الخوف، أعلنت الداخلية التركية اعتقال ما يُسمى بـ”إمام الكُنافة” التابع لجماعة فتح الله كولن، في عملية أمنية طالت عدة ولايات.
المثير، بحسب طوفان، أن المصادرات شملت 33 قطعة ذهبية، 2 غرام من الذهب، وبعض المبالغ النقدية… ليُعلن بعدها عن “تفكيك جناح الشيربات” من الجماعة!
في نظر طوفان، ما يجري ليس سوى عملية تسييس للاقتصاد واستغلال للقضاء كأداة لتصفية الحسابات التجارية، في ظل غياب دولة القانون وتحول الدولة إلى مافيا مالية.
محمد شيمشك… الضحية الجديدة في قائمة كباش الفداء
بعد أن ضاق الخناق الاقتصادي وأصبحت الأزمات واضحة حتى للموالين، بدأ الإعلام المقرب من النظام، وتحديدًا صحيفة يني شفق، بشن حملة على وزير المالية محمد شيمشك. العناوين تتحدث عن “الانهيار العقلاني”، والسخرية من ارتفاع الفوائد، وتفاقم التضخم والبطالة.
يرى طوفان أن هذا الهجوم يأتي في إطار تقديم شيمشك ككبش فداء للانهيار الاقتصادي، نظرًا لعدم قدرة أحد على توجيه أي انتقاد مباشر لأردوغان نفسه، الذي يُعامل كـ”نصف إله سياسي لا يُخطئ”.
التناقض الصارخ في خطاب أردوغان… إسقاطات دفاعية أم خداع جماهيري؟
أدلى الرئيس التركي مؤخرًا بتصريحات يتهم فيها المعارضة بـ”الفاشية وملاحقة المعارضين ورفض الرأي الآخر”، وهي تصريحات وصفها طوفان بأنها إسقاط نفسي وسياسي واضح. فمن الذي يقمع المعارضين، ويسجن الأكاديميين، ويُشهر بالفنانين، ويصادر الشركات؟ يتساءل طوفان ساخرًا: “هل كتبت خطابات أردوغان عن الفاشية في حالة سُكر سياسي؟”
ويوضح أن هذه الاستراتيجية تُعرف في علم النفس بـ”الإسقاط” (projection)، حيث يُسقط الفرد أخطاءه على الآخرين لتفادي الشعور بالذنب أو تحمل المسؤولية.
تركيا في مرحلة اللاعودة القانونية… والنظام أمام رعب انهيار مشروعه
ما يحدث في تركيا اليوم، من عسكرة الحرم الجامعي، إلى شيطنة الحلوى، وسجن المعارضين، وتفكيك الأحزاب بالقضاء، هو علامة على نظام لم يعد يملك مشروعًا للحكم سوى الاستمرار بالقوة والخوف.

