في قراءة تحليلية مطوّلة للتصعيد العسكري الدائر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يطرح الكاتب الصحفي والمحلل السياسي التركي المخضرم ممدوح بيرقدار أوغلو مقاربة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، لتلامس سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة التفكير السياسي في المنطقة: هل تُدار الدول بعقل استراتيجي قائم على الحسابات الواقعية، أم بمنطق تعبوي يستند إلى تأويلات دينية ومقولات غيبية؟
بيرقدار أوغلو ذو التوجه الليبرالي يؤكد منذ بداية تحليله في فيديو على موقع يوتيوب، أنه لا يدّعي امتلاك نبوءة حول ما سيحدث، لكنه يرى أن محاولة استشراف المستقبل ضرورة علمية وسياسية، تماماً كما يفعل علم الاقتصاد حين يعتمد على الإحصاء لقراءة الاتجاهات المقبلة، وكما يفعل المؤرخ حين يربط بين الأسباب والنتائج عبر الزمن. ومن هذا المنطلق، يسعى إلى تحليل أسباب الهجوم على إيران، ودوافع الرد الإيراني، والسيناريوهات المحتملة لاحقاً.
من تشاناق قلعة إلى طهران: حين يُستبدل التاريخ بالأسطورة
ينطلق بيرقدار أوغلو من حادثة داخلية تركية اعتبرها مؤشراً مقلقاً، تمثلت في فتح تحقيق بحق أكاديمي اعترض على مقولة لأحد الطلاب بأن “الملائكة هي التي انتصرت في معركة تشاناق قلعة”. بالنسبة له، المسألة لا تتعلق بخلاف أكاديمي عابر، بل بعلامة على تصاعد خطاب ديني متشدد قد يخلط بين الإيمان الشخصي وإدارة الدولة.
يشدد الكاتب على أن معركة جناق قلعة لم تُحسم بفعل تدخل غيبي، بل بفضل قيادة عسكرية محنكة على رأسها مصطفى كمال أتاتورك، وبفضل صمود الجنود العثمانيين رغم ضعف الإمدادات والذخيرة. ويطرح سؤالاً استنكارياً: لو كانت “الملائكة” هي التي حسمت المعركة، فلماذا سقط آلاف القتلى؟ ولماذا احتاج الجنود إلى هجمات بالحراب في ظروف لوجستية شديدة القسوة؟
بالنسبة له، اختزال التاريخ في سردية غيبية لا يُهين فقط التضحيات البشرية، بل يضعف مفهوم “عقل الدولة” الذي يقوم على حساب القوة الاقتصادية، والقدرة العسكرية، والتحالفات، وردع الخصم.
إيران والحرب الراهنة: أين حدود الخطاب الديني؟
في سياق الحرب الحالية، يربط بيرقدار أوغلو بين الخطاب الديني التعبوي في بعض الأوساط السياسية، وبين المخاطر التي قد تنجم عن تقدير استراتيجي قائم على “الإيمان” بدل الحساب الواقعي. ويتساءل: إذا كان التدخل الإلهي يحسم المعارك، فلماذا لم يمنع اغتيال قادة إيرانيين بارزين؟ ولماذا لم يحمِ المدنيين في غزة؟ ولماذا غرقت دول ذات أغلبية مسلمة، مثل العراق وسوريا، في حروب مدمرة؟
يستحضر الكاتب الحرب العراقية-الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، حين خاضت دولتان مسلمتان حرباً استمرت ثماني سنوات وأودت بحياة نحو مليون إنسان من الجانبين، واستنزفت عشرات المليارات من عائدات النفط. ويتساءل بلهجة نقدية: لو كان التدخل الغيبي هو العامل الحاسم، فلماذا لم تُمنع تلك الكارثة؟
كما يشير إلى أن إيران لا تزال تحت عقوبات اقتصادية خانقة، وأن المنطقة الإسلامية خلال القرن الماضي عرفت أزمات عسكرية واقتصادية متكررة، ما يطرح تساؤلات حول جدوى قراءة السياسة من منظور ميتافيزيقي.
بين العلمانية والهوية الدينية في تركيا
بيرقدار أوغلو يوضح أنه لا يشكك في الإيمان ذاته، بل في “التعصب الديني” واستخدام المقدس لخدمة الحسابات السياسية. ويرى أن النظام العلماني لا يُقصي الدين، بل يضمن حرية المعتقد للجميع، محذراً من أن تقويض هذا الإطار قد يقود إلى احتكار ديني أحادي يهدد التعددية.
ويعبّر عن قلقه من أن أي انزلاق نحو تفسير القرارات الاستراتيجية بمنطق “المعونة الإلهية” قد يدفع بعض الساسة إلى إطلاق تقديرات مفرطة في التفاؤل أو الخطورة، كالتقليل من قدرات خصوم مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل. فالحروب الحديثة، كما يقول، لا تُحسم بالشعارات، بل بتكنولوجيا الصواريخ، والحرب السيبرانية، والقدرة على إدارة التحالفات.
العقل في التراث الإسلامي: قراءة مختلفة
يلفت بيرقدار أوغلو إلى أن التراث الإسلامي نفسه لا يعادي العقل، بل يحتفي به. ففي العصر العباسي، تُرجمت الفلسفة اليونانية، وازدهرت علوم المنطق والرياضيات والكلام. ويستنتج أن المشكلة ليست في الإيمان، بل في استبدال التحليل الواقعي بالإيمان كأداة لقياس المخاطر العسكرية والسياسية.
بالنسبة له، الخطر الحقيقي يتمثل في أن يقيس القادة المخاطر العسكرية بمعيار “قوة العقيدة” بدلاً من موازين القوى الفعلية. فذلك، برأيه، لا يحمي الشعوب، بل يعرّضها لمغامرات غير محسوبة.
سيناريوهات ما بعد التصعيد
في تحليله لتطورات المواجهة الإيرانية-الأميركية-الإسرائيلية، يرى بيرقدار أوغلو أن المنطقة تقف أمام احتمالات مفتوحة: تصعيد إقليمي أوسع، أو عودة تدريجية إلى قنوات التفاوض عبر وسطاء. لكنه يؤكد أن أي دولة ترغب في حماية مصالحها يجب أن تبني حساباتها على معطيات الاقتصاد، والقدرة العسكرية، وموقعها الجيوسياسي، لا على رهانات غيبية.
ويخلص إلى أن الخلط بين الإيمان والسياسة الخارجية قد يحوّل الأزمات إلى كوارث، خصوصاً في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية وتوترات مزمنة.
الخلاصة
يرى ممدوح بيرقدار أوغلو أن الخطر لا يكمن في الدين ذاته، بل في تحويله إلى أداة لتقدير المخاطر الاستراتيجية. في زمن الحروب المعقدة، يؤكد أن عقل الدولة والحساب الواقعي يظلان الضامن الوحيد لتجنب مغامرات مكلفة.

