قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في لقائهما المشترك سلسلة رسائل تتجاوز طابع المؤتمرات الصحفية التقليدية، واتسمت بالنبرة التهديدية تجاه إيران، وبالتلميح إلى ترتيبات عميقة تخص غزة وسوريا وملف الأكراد.
جاءت القمة في سياق إعادة تموضع أوسع في الشرق الأوسط، حيث يجري التفاوض على مستقبل غزة بعد الحرب، ومصير مناطق الإدارة الكردية في شمال شرق سوريا، واحتمالات تصعيد جديد مع إيران في عام ٢٠٢٦.
غزة بين استطلاعات الرأي وخطط التهجير الناعم
أحد أكثر المقاطع دلالة تمثل في سؤال صحفي لترامب عن استطلاع رأي أظهر أن ما يصل إلى نصف سكان غزة سيقبلون بمغادرة القطاع إذا أتيحت لهم الفرصة، وهو سؤال يبدو ظاهره تقنيا، لكنه جزء من تمهيد سياسي لفكرة “تفريغ” غزة من جزء كبير من سكانها.
ردّ ترامب كان لافتا؛ إذ أكد أنه “لطالما” اعتقد أن سكان غزة، لو عُرضت عليهم حياة أفضل في مكان آخر، لقبلوا بذلك، واعتبر ذلك “بديهية”، قبل أن يلمّح إلى أن الحديث التفصيلي عن الدولة أو الدول المستقبلة غير مناسب في هذه المرحلة لتجنب “الجدل”، مع التأكيد على أن واشنطن و”إسرائيل” تقدمان – بحسب تعبيره – “مساعدة كبيرة لسكان غزة”.
قراءة سياسية لما وراء الأرقام
يرى محللون أن استدعاء استطلاع رأي كهذا أمام عدسات الإعلام، وفي حضور نتنياهو، ليس خطوة عفوية، بل إشارة إلى أن فكرة إعادة توطين كتلة من الغزيين خارج القطاع مطروحة بجدية داخل دوائر القرار.
ويُربط هذا بالتصورات التي تتحدث عن مشاريع عمرانية واستثمارية ضخمة في غزة نفسها، مقابل نقل أعداد كبيرة من السكان إلى مناطق أخرى (ذُكرت سابقا أرض الصومال كمثال مطروح)، بحيث تتحول غزة إلى نموذج “مدينة استثمارية” يستفيد منها مستثمرون دوليون وإقليميون، بينما يتحمل اللاجئون ثمن التغيير الديموغرافي.
سوريا: إعادة تأهيل “شريك قوي” وحديث عن تسوية مع إسرائيل
في محور سوريا، يكشف الحوار عن إشادة واضحة من ترامب بالزعيم السوري أحمد الشرع الذي وصفه بأنه “رجل قوي” تعاون مع واشنطن في مواجهة تنظيم داعش، مؤكدا أنه “كان معنا طوال الوقت في قتال التنظيم”، ومُبديا رغبته في التوسط لتسوية بين هذا الزعيم و”إسرائيل”.
عندما توجه ترامب مباشرة إلى نتنياهو طالبا رأيه، قدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي جوابا دبلوماسيا مزدوجا؛ إذ أعلن أن مصلحة إسرائيل هي وجود “حدود آمنة مع سوريا” خالية من “الإرهاب” والتهديدات، وأن تل أبيب تريد ضمان أمن الأقليات المتحالفة معها – وعلى رأسها الدروز – بل أضاف بُعدا مسيحيا عبر الحديث عن حماية المسيحيين في سوريا والشرق الأوسط وأفريقيا.
دلالات الرسائل المتبادلة
يعكس هذا الجزء من القمة استعدادا أميركيا لإعادة التعامل مع القيادة السورية الحالية كشريك أمر واقع في ضبط الحدود واحتواء التنظيمات المتطرفة، مقابل اعتراف بدور إسرائيل في فرض “شروط أمنية” على أي تسوية.
ويظهر أيضا براعة نتنياهو في تحويل سؤال مباشر عن “السلام مع سوريا” إلى منصة لتثبيت خطوط حمراء: منطقة عازلة على الحدود، حماية الدروز، وحق إسرائيل في استمرار التواجد والتدخل متى رأت أن أمنها مهدد.
إيران: تلويح بحرب جديدة ومقايضة بين العصا والجزرة
في ملف إيران، جاءت نبرة ترامب حادة؛ إذ تحدث عن تقارير تفيد بمواصلة طهران تطوير برنامجها الصاروخي وربما النووي، مع تأكيد أن هذه المعطيات “لم تُؤكد رسميا بعد”، لكنه استحضر المثل القائل “حيث يوجد دخان، لا بد من وجود نار”.
لوّح ترامب بأن استمرار إيران في هذا المسار سيقود إلى “نتائج أسوأ من السابق”، في إشارة إلى احتمال تجدد الضربات أو عقوبات أشد، لكنه في الوقت نفسه أكد انفتاحه على مفاوضات جديدة، مشيرا إلى أنه عرض سابقا على طهران صفقة، وأنها أخطأت برفضها، وأن الظروف بعد الحرب تغيّرت لصالح واشنطن وحلفائها.
قراءة احتمالات التصعيد في ٢٠٢٦
يفهم من هذا الخطاب أن واشنطن تستخدم لغة “العصا والجزرة” مع إيران: تهديد صريح في حال استمرار برامج الصواريخ والنشاط النووي، مقابل إشارة إلى إمكانية العودة إلى طاولة التفاوض وفق شروط أكثر تشددا.
يرى مراقبون أن احتمال انفجار تصعيد جديد – سواء على شكل ضربات محدودة أو حرب أوسع بالوكالة – قائم بقوة في أفق ٢٠٢٦، خاصة مع تدهور الأوضاع الاقتصادية في إيران، وحراك بعض الجماعات الكردية المسلحة على حدودها، ما يزيد من قابلية الداخل الإيراني للاهتزاز تحت ضغط خارجي.
حماس، نزع السلاح، ودور تركيا وقطر
فيما يخص حماس، سُئل ترامب عما سيحدث إذا لم تلتزم الحركة بمسار نزع السلاح، فأجاب بأن العواقب ستكون “كارثية” على حماس، لكنه شدد على أن الطرف الذي سيتولى “معاقبتها” في هذه الحالة لن يكون بالضرورة إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل الدول التي ضمنت التزام الحركة – وفي طليعتها تركيا وقطر.
وفق هذا المنطق، يضع ترامب أنقرة والدوحة في موقع “الضامن المنفّذ” لنزع سلاح حماس؛ فإذا أخفقت الحركة في الالتزام، تتحول مسؤولية نزع السلاح بالقوة – أو الضغط – إلى هاتين العاصمتين، مع حديث عن أن اتفاقا أوسع شاركت فيه عشرات الدول حمّلها التزامات محددة تجاه نزع السلاح وترتيبات ما بعد الحرب.
معادلة حساسة لتركيا
يقول الباحث والأكاديمي التركي أمره أوسلو أن هذه الصيغة تجعل تركيا في وضع بالغ الحساسية: من جهة، تُقدَّم كضامن سياسي وأمني لعملية انتقال في غزة، ومن جهة أخرى، يُلوّح بأن فشل حماس في الامتثال سيضع على عاتق أنقرة مسؤولية مواجهتها أو تحمل تبعات تقصيرها.
هذا يفتح الباب أمام سيناريوهات تستخدم فيها تركيا ملف غزة للحصول على مقابل سياسي في ساحات أخرى – مثل الملف الكردي في سوريا – في إطار مقايضات أوسع مع واشنطن وتل أبيب.
القضية الفلسطينية والسلطة: شروط إسرائيلية لإشراك رام الله
تطرقت القمة أيضا إلى سؤال حول ما إذا كان ينبغي أن تتولى السلطة الفلسطينية إدارة غزة بعد الحرب، فاستغل نتنياهو الفرصة لطرح قائمة شروط مسبقة: تغيير المناهج التعليمية، وقف دفع الرواتب لعائلات الأسرى والمقاتلين، وإجراء إصلاحات “عميقة” على بنية السلطة قبل قبولها شريكا في ترتيبات غزة.
أشار نتنياهو إلى أن هذه الشروط منسجمة مع رؤية ترامب، مؤكدا أن إسرائيل “تتابع خطة ترامب” وتقوم على أساسها، ما يعني أن أي دور مستقبلي للسلطة الفلسطينية في غزة سيكون مشروطا بتحولات جوهرية في خطابها وممارستها، بما يقربها من النموذج المقبول أميركيا وإسرائيليا.
موقف ترامب من أردوغان: إشادة شخصية ورسالة سلبية للأكراد
جزء لافت من المؤتمر خصص لسؤال عن التوتر بين تركيا وإسرائيل، بعد تصريحات متبادلة شديدة اللهجة، بينها تشبيه نتنياهو بالنازي من جانب أنقرة. المثير أن ترامب تجنب الدفاع الصريح عن نتنياهو في هذه النقطة، واختار بدلا من ذلك الإشادة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان بوصفه “صديقا قديما” و”شخصا يكنّ له احتراما كبيرا”.
تحدث ترامب عن “أشياء كثيرة أنجزها مع أردوغان لا يستطيع غيره فعلها”، مؤكدا أنه لا يتوقع “أي مشكلة” بين تركيا وإسرائيل في المدى المنظور، في رسالة واضحة بأن واشنطن تنظر إلى الخلاف الكلامي الحالي بين أنقرة وتل أبيب باعتباره قابلا للاحتواء، وأنها تميل إلى منح أردوغان مساحة واسعة في ترتيب الملفات الإقليمية.
الانعكاس على الملف الكردي في سوريا
يقرأ أوسلو هذه الإشارات باعتبارها سيئة بالنسبة للأكراد في شمال شرق سوريا؛ إذ يعني الاصطفاف الشخصي والسياسي لترامب مع أردوغان أن مطالب أنقرة إزاء “تقليم أظافر” الإدارة الكردية في روج آفا قد تجد آذانا أكثر إصغاء في واشنطن.
من هذه الزاوية، يَظهر أن واشنطن قد تكون مستعدة لقبول صيغ تنطوي على دمج جزء من القوة الكردية في هياكل الدولة السورية أو إعادة انتشارها، مقابل دور تركي أكبر في نزع سلاح حماس وتحريك ترتيبات غزة، بما يشبه سلسلة مقايضات متداخلة بين غزة وشمال سوريا.
المستوطنات واليمين الإسرائيلي: تباين مضمر مع واشنطن
عندما طُرحت مسألة المستوطنات في الضفة الغربية، بدا أن هناك مساحة اختلاف بين الإدارة الأميركية والقيادة الإسرائيلية. إذ دار الحديث عن عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، وجرى التلميح إلى أن هذا السلوك يخلق توترا مع واشنطن ويُصعّب الدفاع عن إسرائيل على الساحة الدولية.
ردّ نتنياهو كان حذرا؛ إذ لم يقدم تنازلا واضحا، لكنه اضطر للتعامل مع المسألة عبر لغة عامة عن “سيادة القانون” و”ضبط الوضع”، بينما استُخدمت من جانب ترامب صياغات غامضة من قبيل أنه “يثق بأن الطرف الآخر سيفعل ما يلزم”، وهي عبارات توحي بضغط معنوي لا يصل إلى مستوى الاشتراط الصريح.
خلاصة الرؤية الاستراتيجية
يمكن تلخيص مخرجات القمة التي ترسم لوحة واسعة تقوم على عدة محاور متداخلة:
- تلويح أميركي بتصعيد محتمل ضد إيران إذا استمرت في برامجها الصاروخية والنووية، مع باب موارب لمفاوضات مشروطة.
- توجه لفرض ترتيبات في غزة تمزج بين ضغط لإعادة توطين جزء من السكان، ونزع سلاح حماس عبر وسطاء إقليميين، وتقييد دور السلطة الفلسطينية بشروط إسرائيلية.
- مقاربة براغماتية لسوريا تقبل ببقاء القيادة الحالية شريكا أمنيا، مع تعزيز الدور الإسرائيلي على الحدود وحماية الأقليات المتحالفة.
- تعزيز مكانة تركيا كشريك رئيسي في ملفات غزة وسوريا، على حساب تطلعات الأكراد، مقابل تطمينات لإسرائيل بأن الخلاف معها لن يتحول إلى قطيعة استراتيجية.
في ضوء هذه العناصر، يبدو أن المنطقة متجهة إلى مرحلة إعادة هندسة سياسية وأمنية عميقة، يجري فيها توظيف ملفات غزة وإيران وسوريا والأكراد ضمن سلة تفاوض واحدة، تُستخدم فيها التهديدات العسكرية، والصفقات الاقتصادية، وترتيبات نزع السلاح، كأدوات متشابكة لإعادة بناء توازنات جديدة.

