جاءت قمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في واشنطن لتؤكد أن الشراكة السعودية – الأميركية ما زالت الركيزة الأكثر ثباتاً في معادلات الشرق الأوسط، وأن البلدين يفتحان فصلاً جديداً عنوانه التعاون الدفاعي والتكنولوجي والاستثماري، فيما يبقى ملف التطبيع مؤجلاً ريثما تتوافر ظروف سياسية إقليمية أكثر توازناً.
استقبال استثنائي ودلالاته
حظي ولي العهد بمراسم استقبال غير مسبوقة في البيت الأبيض، شملت عروضاً جوية لمقاتلات إف–16 وإف–35، وجولة داخل أروقة البيت الأبيض، في رسالة أميركية واضحة بأن الرياض ما تزال حجر الأساس في الأمن الإقليمي، وأن العلاقة الثنائية تنتقل إلى مستوى «شراكة بلا حدود».
ترامب وصف الزيارة بأنها «شرف كبير»، مؤكداً احترامه للملك سلمان ولولي العهد. أما الأمير محمد بن سلمان فشدّد على أن العلاقة بين البلدين «لا يمكن استبدالها»، وأنها مصيرية لجهود الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي في المنطقة.
الحسابات السعودية تجاه التطبيع
أظهرت القمة أن واشنطن باتت أكثر إدراكاً لثبات الموقف السعودي من التطبيع. ترامب لم يربط الزيارة بأي إعلان سعودي، مدركاً أن الرياض لن تتحرك قبل توفر مسار واضح لحل الدولتين وقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. كما أن ظروف ما بعد حرب غزة علّقت المسار، رغم الضغوط الأميركية الساعية لضم المملكة إلى الاتفاقيات الإبراهيمية.
مجلس الأمن صوّت أخيراً على قرار يشير إلى «مسار موثوق نحو تقرير المصير»، وهو تطور يمنح الرياض مساحة لتعزيز موقفها القائم على أولوية الحل السياسي.
صفقة إف–35 وإنشاء إطار دفاعي شامل
ترامب أعلن أنه سيوافق على بيع السعودية مقاتلات إف–35، مؤكداً أن المملكة «حليف عظيم يستحق أفضل طراز». وتقترب الرياض وواشنطن من توقيع اتفاق دفاعي واسع يتضمن تعزيز أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وتنسيقاً أمنياً ممتداً على المدى الطويل.
الرياض تسعى أيضاً للحصول على ضمانات مشابهة لتلك التي حصلت عليها الدوحة عقب الهجوم الإسرائيلي على قطر، بما يعيد صياغة منظومة الأمن الخليجي.
التعاون النووي المدني
مصدر سعودي أكد التوصل إلى «إطار اتفاق» للتعاون النووي المدني، في خطوة تفتح الباب أمام بناء قدرات نووية سلمية، مع اشتراط واشنطن ضمان عدم انتقال أي تكنولوجيا حساسة إلى الصين، الحليف الاقتصادي المتنامي للسعودية.
خطة استثمارات تتصاعد إلى تريليون دولار
الرياض أكدت عزمها استثمار نحو 600 مليار دولار في الولايات المتحدة، مع إمكانية ارتفاعها إلى مستوى تريليون خلال السنوات المقبلة، في مجالات تشمل الصناعات الدفاعية والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
ولي العهد أوضح أن هذه الاستثمارات «فرص حقيقية» وليست فقط استجابة سياسية، مؤكداً أن السعودية ستنفق في المدى القصير نحو 50 مليار دولار لتلبية احتياجاتها من الرقائق، في إطار استراتيجية التحول الرقمي وتنويع الاقتصاد.
نقاشات حول توريد الرقائق المتقدمة
ترامب ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أعلنا أن العمل جارٍ لإقرار آليات تصدير رقائق متقدمة إلى السعودية، ضمن إطار تعاون تكنولوجي يستهدف بناء قدرات حوسبية ضخمة داخل المملكة لدعم مشروعات الذكاء الاصطناعي.
الملف السوري: نحو إعادة دمج دمشق
ترامب كشف أنه وافق على رفع العقوبات عن سوريا بطلب من ولي العهد، لتمكين دمشق من «النهوض من جديد». كما أشاد بلقاء الرئيس السوري أحمد الشرع في واشنطن وبـ«التقدم الهائل» الذي تحقق بعد تخفيف العقوبات، في إشارة إلى تغيرات جارية في مقاربة واشنطن للملف السوري.
الملف الإيراني: بحث عن صفقة جديدة
ولي العهد أكد أن الرياض تعمل على تشجيع اتفاق بين واشنطن وطهران يرضي المنطقة والعالم. ترامب أشار بدوره إلى أن إيران «ترغب بشدة» في إبرام اتفاق جديد، وأن قنوات التفاوض بدأت بالفعل، ما يعكس استعداداً أميركياً لإعادة هيكلة العلاقة مع طهران ضمن حدود آمنة.
رؤية مشتركة لشرق أوسط أكثر استقراراً
السعودية تسعى لتخفيف التوتر مع إيران، وتعمل بالتوازي على دعم مسارات السلام في المنطقة، بينما يشدد ترامب على رغبته في بناء بيئة إقليمية مواتية للنمو الاقتصادي. ويرى محللون أن القمة تأتي في توقيت حسّاس يفرض على البلدين تعزيز شراكتهما لتجنب انزلاق المنطقة نحو مواجهات جديدة، خصوصاً بعد تداعيات حرب غزة، وتغير ميزان القوى بين واشنطن وبكين، وصعود التكنولوجيا كعنصر فاعل في الأمن القومي.

