شهد عام 2024 تسجيل رقم قياسي في عدد تحقيقات “الإهانة” التي فُتحت بموجب المادة 125 من قانون العقوبات التركي، لتكشف بيانات وزارة العدل عن واقع قانوني يُضيّق هامش التعبير ويستنزف الجهاز القضائي بمئات الآلاف من الملفات المتصلة بالكلمة والرأي، سواء في الفضاء العام أو عبر الإنترنت.
تحقيقات بمئات الآلاف: أرقام تكشف حجم الظاهرة
أعلنت وزارة العدل أن عدد التحقيقات التي فُتحت خلال العام بلغ أكثر من مليون ومئة ألف ملف. وتشمل هذه التحقيقات أقوالًا وإشارات وصورًا وكتابات تعتبرها السلطات “مسيئة للكرامة والشرف”، وفق ما تعرفه المادة 125، مع تشديد العقوبات في حال استهدفت الإهانة موظفًا عامًا أو ارتبطت بخلفيات دينية أو سياسية.
خطاب مباشر… وخطاب إلكتروني
أظهرت البيانات أن جزءًا كبيرًا من الملفات يتعلق بتصريحات تمت وجهًا لوجه، بينما يرتبط القسم الآخر بمنشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتبرز هذه الفجوة بين الخطابين المباشر والرقمي كعلامة على تحوّل الفضاء الإلكتروني إلى ساحة مركزية في الملاحقات.
الملاحقات والنتائج: من التحقيق إلى الحكم
من بين مئات آلاف التحقيقات المتعلقة بالتصريحات المباشرة، أحيلت نسبة معتبرة إلى المحاكم وأفضت إلى آلاف الإدانات. في المقابل، صدرت أحكام بالبراءة في عدد مماثل تقريبًا، إلى جانب أحكام معلّقة التنفيذ. ويعكس هذا التوزع اختلافًا في تقييم المحاكم لطبيعة الخطاب، لكن مع حفاظ الدولة على مستوى مرتفع من الإحالة إلى القضاء.
ملاحقات الخطاب عبر الإنترنت
المنشورات الإلكترونية شكّلت قاعدة واسعة من التحقيقات، وأفضت إلى عشرات الآلاف من لوائح الاتهام، في وقت حافظت المحاكم على نسق مستقر من الإدانات والأحكام المعلّقة. وتؤشر هذه الأرقام إلى استمرارية الحملات الرقابية على الفضاء الرقمي بوصفه امتدادًا للنقاش السياسي والاجتماعي.
الموظفون العموميون: مركز الثقل في التحقيقات
كشفت وزارة العدل أن شريحة واسعة من الملفات تتعلق بتعليقات تستهدف موظفين عموميين أثناء أداء مهامهم. وتشير البيانات إلى ارتفاع كبير في عدد التحقيقات التي تم فتحها لهذا السبب، وصولًا إلى آلاف الإحالات للمحاكم، مع معدلات إدانة لافتة.
الفضاء الرقمي يعيد تشكيل حدود النقد
وإلى جانب الخطاب المباشر، تسبب النقد الموجه إلى المسؤولين عبر الإنترنت في فتح عشرات آلاف التحقيقات الأخرى التي انتهى جزء منها بالإدانة، بينما تم تعليق تنفيذ العديد من الأحكام، في إشارة إلى استمرار نظرة القضاء التركي إلى هذه التصريحات باعتبارها جرائم وليست ممارسات تعبير سياسي.
تراشق سياسي حول الشفافية: المعارضة تواجه الوزارة
وجّه نواب المعارضة انتقادات حادة لوزارة العدل بسبب امتناعها، على مدى سنوات، عن تقديم البيانات ذاتها في إطار الأسئلة البرلمانية الرسمية، رغم تأكيدها اليوم توافرها وعرضها تفصيليًا خلال جلسات مناقشة حزمة الإصلاح القضائي الجديدة. وأثار النواب تساؤلات حول سبب عدم تقديم هذه المعلومات كتابيًا ووصفوا هذا السلوك بأنه تعطيل للرقابة البرلمانية.
ردّ الوزارة: البيانات “منشورة”… أم غير منشورة؟
أوضحت الوزارة أنها تعتقد بأن الأرقام سبق نشرها، لكنها ستتحقق من الأمر، دون تقديم تبرير واضح للتناقضات السابقة، ما زاد من حدة الجدل حول مستوى الشفافية في إدارة الملف.
المادة 125 وتقييد الخطاب الديني والسياسي
تضمنت البيانات الرسمية ملفات تتعلق بخطابات تمس معتقدات أو آراء سياسية معروفة بحساسيتها القانونية داخل تركيا. ورغم العدد الكبير من التحقيقات، فإن نسبة صغيرة فقط وصلت إلى المحاكم، وأفضت إلى إدانات محدودة.
استهداف ما يُعتبر “قيمًا دينية مقدسة”
كشفت الوزارة أيضًا عن آلاف التحقيقات الأخرى المرتبطة بتعابير تُعتبر مسيئة لقيم دينية. ورغم أن عدد القضايا التي سلكت المسار القضائي كان أقل من إجمالي التحقيقات، إلا أن المحاكم أصدرت مئات الإدانات، بالنظر إلى أن القانون يشدد على حماية الرموز الدينية باعتبار الإهانة الموجهة إليها ظرفًا مشددًا للعقوبة.
انتقادات حقوقية تتصاعد
ترى منظمات حقوقية وصحافية أن التوسع في استخدام تشريعات “الإهانة” يعكس مسارًا متزايدًا لتجريم النقد، ويستهدف صحفيين وناشطين ومواطنين يعبّرون عن آرائهم في الشأن العام. وتشير هذه المنظمات إلى أن المادة 125 باتت إحدى أدوات تقويض حرية التعبير، خاصة في سياق توتر سياسي ومستوى عالٍ من الاستقطاب، مع استمرار غياب الإصلاحات الجوهرية التي من شأنها حماية الخطاب العام.

