تشهد أحياء الشيخ مقصود والأشرفية ذات الغالبية الكردية في مدينة حلب تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق منذ أيام، مع اشتباكات عنيفة وحصار محكم تفرضه قوات تابعة لإدارة دمشق. المعارك الدائرة أسفرت، وفق المعطيات المتداولة، عن سقوط أكثر من ثلاثين قتيلًا حتى الآن، فيما اضطُر أكثر من مئة ألف مدني إلى مغادرة منازلهم والنزوح إلى مناطق أخرى، في واحدة من أوسع موجات التهجير التي عرفتها المدينة في السنوات الأخيرة.
ذاكرة جزيرة… حين يتحول الحصار إلى سياسة
الكاتب والمحلل السياسي التركي جمالي أونال يرى أن ما يجري في حلب يعيد إلى الواجهة مشاهد لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية للكرد، وتحديدًا أحداث جزيرة -أو جِزْرة – في شرق تركيا ذات الأغلبية الكردية، بين عامي ألفين وخمسة عشر وألفين وستة عشر. حينها، خضعت المدينة لحصار دام تسعة وسبعين يومًا، تخللته عمليات قنص ومنع إسعاف وفرض حظر تجول طويل، وانتهى بمقتل أكثر من مئة مدني حُرقت جثامين بعضهم في أقبية المباني، فيما تحولت جثة المسنّة “تيبت آنا” إلى رمز لتلك المرحلة بعد أن تُركت أيامًا في الشارع دون السماح بنقلها.
توقيت مريب وسط مسار تفاوضي هش
يلاحظ أونال أن اندلاع هذه المواجهات جاء في لحظة سياسية حساسة، بالتزامن مع محاولات لتفعيل تفاهم العاشر من آذار بين دمشق والقوى الكردية، وهو ما يطرح، برأيه، تساؤلات جدية حول الجهات المستفيدة من إفشال هذا المسار، وحول ما إذا كانت تركيا لاعبًا مباشرًا أو غير مباشر فيما يجري على الأرض.
ضغط تركي متراكم ورسائل عسكرية مبكرة
وفق تحليل أونال، فإن أنقرة لم تُخفِ خلال الفترة الماضية رغبتها في إخراج الشيخ مقصود والأشرفية من سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، التي تصنّفها كتنظيم “إرهابي”. هذا الضغط تُرجم سياسيًا وأمنيًا على دمشق، وبدأت ملامحه الميدانية بالظهور عقب زيارة رفيعة المستوى قادها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى العاصمة السورية في كانون الأول الماضي، حيث لم تمضِ أيام حتى باشرت القوات السورية قصف الأحياء المستهدفة بالمدفعية الثقيلة.
تسارع التصريحات… ومؤشرات الاستعجال
التصريحات المتلاحقة الصادرة عن مسؤولين أتراك عقب اندلاع الاشتباكات الأخيرة، والدعم العلني المعلن لدمشق، تعكس – بحسب أونال – حالة استعجال سياسي واضحة. ويزداد هذا الاستنتاج قوة مع ملاحظة أن التصعيد العسكري بدأ بعد يوم واحد فقط من اتصال هاتفي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ظل غياب أي تحرك أميركي فاعل لوقف القتال، ما فتح الباب أمام تكهنات حول وجود ضوء أخضر غير معلن.
دعم مفتوح لدمشق وخطاب متحوّل
في خضم التطورات، أعلنت وزارة الدفاع التركية استعدادها لتقديم أي دعم يُطلب منها لصالح دمشق. وفي سياق متصل، أشار وزير الخارجية هاكان فيدان لاحقًا إلى ما وصفه بدور إسرائيلي، متهمًا قوات سوريا الديمقراطية بعدم تنفيذ التزاماتها، والانخراط – وفق تعبيره – في تنسيق يخدم سياسة “التقسيم والإدارة” التي تتبعها إسرائيل في المنطقة.
تنسيق ميداني أم تلاقي مصالح؟
مجمل هذه المعطيات، كما يراها جمالي أونال، توحي بأن الهجوم على الشيخ مقصود والأشرفية لا يجري بمعزل عن تنسيق سياسي وأمني بين أنقرة ودمشق. فبالنظر إلى الواقع العسكري، يصعب على القوات السورية، دون ضغط أو دعم تركي مباشر أو غير مباشر، تحقيق تفوق حاسم على المجموعات الكردية. ومع ذلك، فإن استخدام الأسلحة الثقيلة من جانب وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين، مقابل اعتماد قوات الأمن المحلية التابعة لقسد على تسليح خفيف، يكشف حجم القوة المستخدمة ويؤشر إلى طبيعة العملية.
صمت القيادة السورية وردود كردية غاضبة
في وقت تتسع فيه رقعة التوتر من إيران إلى اليمن، ومن القرن الأفريقي إلى السودان، يلفت أونال إلى الغياب اللافت للرئيس السوري أحمد الشرع عن المشهد الإعلامي. هذا الصمت أثار ردود فعل كردية حادة، كان أبرزها تصريح القيادي الكردي صالح مسلم الذي تساءل بسخرية عن مكان الشرع، ملمحًا إلى أنه إما في دمشق أو “محتجز” في تركيا.
اتهامات بالتطهير العرقي وتهجير ممنهج
من جانبهم، وصف كل من قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، والزعيم الكردي العراقي مسعود بارزاني، ما يجري بأنه محاولة منظمة لاستهداف الوجود الكردي المدني. وتؤكد روايات محلية صدور أوامر إخلاء مترافقة مع القصف، في مسعى لدفع السكان إلى النزوح القسري، وهو ما يرقى – وفق توصيفهم – إلى سياسة تطهير عرقي.
انعكاسات داخلية… وانهيار مسار سياسي
يخلص جمالي أونال إلى أن ما شهدته حلب خلال الأيام الثلاثة الماضية لا يقتصر على كونه تصعيدًا عسكريًا، بل يحمل دلالات سياسية داخل تركيا نفسها. إذ يرى أن هذه الأحداث تمثل إعلانًا غير مباشر لفشل المسار الثاني لما سُمي بـ“تركيا بلا إرهاب”، الذي روّج له زعيم الحركة القومية دولت بهتشلي. ويضيف أن اللافت في هذا السياق هو انخراط حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب – بحسب وصفه – في مشهد سياسي يبتعد عن معالجة جوهر الأزمة الكردية، ويساهم في صرف الأنظار عن القضايا الحقيقية.
الخلاصة
وفق تحليل جمالي أونال، فإن ما يجري في أحياء حلب الكردية يعكس إعادة إنتاج لسياسات الحصار والتهجير، ضمن تلاقي مصالح إقليمية تتجاوز حدود سوريا. التصعيد لا يهدد التوازن المحلي فحسب، بل يكشف أيضًا مأزق المسارات السياسية المعلنة داخل تركيا والمنطقة.

