محمود يلدريم … أو ذلك الاسم الذي استقرّ في ذاكرة الأتراك بصيغته الأكثر رواجًا: “يَشيل”.
هذا الشبح الذي طاف دهاليز الدولة لعقود، يُقال إنه اختفى في سوريا عام 1996، وكأنّ غيابه كان شرطًا لإغلاق حقبة كاملة من الاغتيالات والملفات المجهولة. غير أن الاتصال الهاتفي الذي قيل إن الصحفي صايغي أوزتورك تلقّاه منه أعاد فتح الباب على ماضٍ لم يُدفن قط.
ذلك الصوت —حقيقيًا كان أم مُختلَقًا— لامس طبقات عميقة في الوعي التركي، فكل جملة تُنسب إلى “يَشيل” تُشعِل ذاكرة دولة كانت تُدير صراعاتها من خلف ستار. وحين يقول إنه “لم يخن أحدًا، بل إن آخرين خانوه” في إشارة إلى محاولة اغتيال عبد الله أوجلان في نهاية التسعينيات، فإنما يكشف عن حسابات مؤجلة ظلّت كامنة تحت الرماد.
لكن المفارقة التي أثارت الاهتمام أن الرجل الذي قيل إنه اختفى في سوريا قبل ثلاثة عقود، يظهر —أو يُظهَر— من جديد قائلًا إنه موجود اليوم في سوريا أيضًا. هنا، تتقاطع حركة الأشباح القديمة مع التحولات الجارية في شمال سوريا، ومع إعادة تشكّل المشهد الأمني الذي ترسمه واشنطن بدقة متزايدة.
الرؤية الأميركية الجديدة: من الفوضى إلى مركز واحد
واشنطن لم تعد تنظر إلى الواقع الأمني في شمال شرقي سوريا باعتباره وضعًا يمكن الاستمرار بإدارته بالآليات القديمة. تصريحات قائد القيادة المركزية الأميركية، براد كوبر، جاءت بمثابة إعلان لمرحلة مختلفة تمامًا: “الاستقرار القابل للتوقّع لن يتحقق إلا من خلال دمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة السورية.”
هذا ليس توصيفًا تقنيًا، بل إعادة صياغة شاملة لمعادلة أرهقتها الهشاشة. فالقوة التي دعمتها الولايات المتحدة طوال سنوات، لكنها أبقتها خارج المؤسسات السورية، تحوّلت —وفق الرؤية الأميركية— من رصيد استراتيجي إلى عبء، لأن أي كيان قائم بذاته في منطقة مرتجّة كهذه سرعان ما يتحول إلى نقطة ضعف، تتسرب منها التدخلات الإقليمية وتستغلها خلايا داعش المتربّصة.
تبريرات واشنطن باتت واضحة:
- بقاء قسد قوة مستقلة يبقي احتمال تصادمها مع الجيش السوري قائمًا في كل لحظة.
- التدخل التركي يظل احتمالًا واقعيًا لا يمكن شطبه من الحسابات.
- الفجوات الأمنية تمنح داعش فرصة لإعادة التموضع كلما انفرجت ثغرة.
لهذا أصبح دمج قسد —في المنظور الأميركي— شرطًا ليس فقط لاستقرار محلي، بل لتخفيف الاحتكاك الإقليمي أيضًا.
ومن هنا جاءت معادلة ثلاثية جديدة تربطها واشنطن في مسار واحد:
مواصلة ملاحقة داعش، دعم خطوات الدمج، وتوسيع التنسيق الأمني مع دمشق.
بهذا، تجد الولايات المتحدة نفسها —رغم التناقض السياسي— تنسّق مع الدولة السورية في الجانب الذي ترى أنه الأخطر: مكافحة التطرف.
دمشق وقسد: تقاربٌ تحكمه الشكوك
بالنسبة لدمشق، الدمج فرصة لاستعادة مناطق خرجت عن سيطرتها بفعل الحرب الطويلة. لكن الريبة لا تزال تطوّق العملية؛ فدمشق لا تعرف مدى التزام واشنطن بهذا المسار، ولا مقدار الضمانات التي يمكن أن توفرها.
أما قسد، فهي تقف أمام معادلة معقدة:
تدرك أن انحسار النفوذ الأميركي سيجعلها أكثر هشاشة، وأن الاندماج ضمن مؤسسات الدولة قد يوفر لها مظلة طويلة الأمد، لكنها تخشى في المقابل أن تفقد هويتها السياسية والعسكرية التي بنت عليها نفوذها خلال سنوات الحرب.
وهكذا يتحرك الطرفان نحو بعضهما بحذر بالغ، وكأن كل خطوة تختبر الأرض قبل أن تسمح للتي تليها بالتحرك.
أنقرة: عند نقطة التماس بين الملفين السوري والكردي
هذا التحول في شمال سوريا ينعكس مباشرة على الموقف التركي. فإدماج قسد داخل بنية الدولة السورية قد يفرض على أنقرة تعديل مقاربتها التقليدية التي تقوم على ضرورة تفكيك البنية العسكرية والسياسية لقسد، لا تثبيتها أو شرعنتها.
في الداخل التركي، يزداد المشهد تعقيدًا مع تصاعد النقاش حول احتمال فتح باب “مسار سلام” جديد مع الأكراد. الرئيس رجب طيب أردوغان يبدو مترددًا، مدركًا أن أي خطوة غير محسوبة قد تستفز الحاضنة القومية أو تُفسَّر بأنها تنازل في لحظة سياسية دقيقة. في المقابل، تمارس القوى القومية ضغوطًا عبر استدعاء رموز الماضي —كظهور اسم “يَشيل”— لتوجيه رسائل غير مباشرة بشأن حدود ما يمكن قبوله في أي مسار سياسي جديد.
هكذا يصبح “الشبح” القديم جزءًا من لعبة الحاضر، لا من ذاكرة الماضي وحده.
مشهدان وبوصلة واحدة
قد يبدو أن ملف دمج قسد في سوريا ومسألة الأكراد داخل تركيا قضايا منفصلة، لكنهما في جوهرهما يتحركان على محور واحد: هل يمكن الانتقال من مرحلة القوى المسلحة إلى مرحلة الدولة المركزية؟
وما القوى —في دمشق أو أنقرة أو واشنطن— التي تشعر أن هذا التحول يهدد نفوذها؟
قراءة التفاعلات في تركيا إلى جانب إعادة تشكيل الخريطة الأمنية في سوريا تكشف أن المنطقة تتجه إلى مرحلة انتقالية محتدمة، لا إلى هدوء آمن.

