شهدت هنغاريا تحولاً سياسياً بارزاً مع إقرار رئيس الوزراء فيكتور أوربان بالهزيمة، منهياً بذلك أكثر من ستة عشر عاماً من الحكم المتواصل.
وجاء هذا التطور عقب فوز كاسح حققه زعيم المعارضة بيتر ماغيار، الذي قاد حزب “تيسا” إلى أغلبية برلمانية مريحة في انتخابات اتسمت بنسبة مشاركة غير مسبوقة.
ووفق النتائج الرسمية شبه النهائية، حصد حزب “تيسا” نحو 53% من الأصوات، ما مكّنه من السيطرة على 138 مقعداً من أصل 199 في البرلمان، أي أغلبية الثلثين. في المقابل، تراجع حزب “فيدس” الحاكم إلى 55 مقعداً بنسبة تقارب 38%، في واحدة من أكبر الهزائم السياسية التي يتعرض لها منذ صعوده.
أصداء تركية: دعم معارض ورسائل من خلف القضبان
في تركيا، لقي هذا التحول صدى واضحاً داخل صفوف المعارضة، حيث سارع كل من أكرم إمام أوغلو وأوزغور أوزل إلى تهنئة ماغيار وناخبي هنغاريا.
إمام أوغلو، الذي يشغل منصب رئيس بلدية إسطنبول وينتمي إلى حزب الشعب الجمهوري، بعث برسالة من محبسه في سجن مرمرة بسيليفري، اعتبر فيها أن ما حدث يمثل انتصاراً للأمل على الخوف، وللديمقراطية على النزعات السلطوية. وأكد أن إرادة الناخبين قادرة على كسر سطوة أي زعيم عندما يصرّ المواطنون على حماية حرياتهم. كما شدد على أن هذا الفوز يتجاوز حدوده الوطنية، ليصبح رمزاً لكل من يؤمن بسيادة القانون وقوة صناديق الاقتراع.
وفي سياق متصل، وصف أوزل، رئيس حزب الشعب الجمهوري، النتيجة بأنها دليل جديد على أن إرادة الشعوب تتفوق في نهاية المطاف على حكم الفرد، مشيراً إلى أن الناخبين الهنغاريين عبّروا بوضوح عن رغبتهم في التغيير عبر الوسائل الديمقراطية.
خلفيات سياسية: اعتقال إمام أوغلو والتوتر الداخلي
يأتي موقف إمام أوغلو في وقت يقبع فيه رهن الاحتجاز الاحتياطي منذ مارس 2025، في قضية يعتبرها كثيرون ذات أبعاد سياسية تهدف إلى إبعاده عن المشهد قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة. ويُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان، ما يضفي على تصريحاته بعداً سياسياً يتجاوز مجرد التهنئة.
ترحيب أوروبي واسع وتراجع الشعبوية اليمينية
لم يقتصر الترحيب بنتائج الانتخابات على الداخل التركي، بل امتد إلى عدد من القادة الأوروبيين، من بينهم إيمانويل ماكرون وفريدريش ميرتس ودونالد توسك، الذين اعتبروا النتيجة مؤشراً على تراجع التيارات الشعبوية اليمينية في أوروبا، ورسالة دعم متجددة لقيم الاتحاد الأوروبي التقليدية.
وكان أوربان قد تبنى لسنوات مفهوم “الديمقراطية غير الليبرالية”، وقدم نفسه كأحد أبرز معارضي سياسات الاتحاد الأوروبي، مستنداً إلى علاقات وثيقة مع كل من دونالد ترامب وفلاديمير بوتين.
صمت رسمي تركي رغم العلاقات الوثيقة
على الرغم من هذا الزخم، لفت الانتباه غياب أي تعليق رسمي من الحكومة التركية حتى الآن. ويكتسب هذا الصمت دلالات خاصة في ظل العلاقات المتينة التي جمعت أردوغان وأوربان خلال السنوات الأخيرة، حيث طوّرا شراكة براغماتية قائمة على التعاون في ملفات الهجرة والطاقة والدبلوماسية الإقليمية، إلى جانب تنسيق ملحوظ في التعامل مع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
ما وراء الحدث
تعكس الانتخابات الهنغارية تحولاً أعمق من مجرد تغيير حكومي، إذ تشير إلى إعادة توازن داخل الفضاء الأوروبي بين التيارات الليبرالية والمحافظة. كما تكشف عن قابلية الأنظمة التي تبدو راسخة للاهتزاز تحت ضغط المشاركة الشعبية الواسعة.
بالنسبة لتركيا، تحمل هذه النتيجة بعداً رمزياً مهماً، إذ توظفها المعارضة لتأكيد إمكانية التغيير عبر الأدوات الديمقراطية، في مقابل سردية السلطة القائمة. كما قد تزيد من حدة النقاش الداخلي حول مستقبل النظام السياسي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
في المقابل، يبقى تأثير هذا التحول على العلاقات التركية–الهنغارية مرهوناً بطبيعة التوجهات التي سيتبناها ماغيار، وما إذا كان سيحافظ على النهج البراغماتي السابق أو يعيد تموضع بلاده ضمن الإطار الأوروبي التقليدي.

