ترى عالمة الأنثروبولوجيا الاجتماعية وعالمة النفس الاجتماعي في ألمانيا، ياسمين آيدين، المنحدرة من أصول تركية، أن ما جرى في فنزويلا لا يمكن اختزاله في إسقاط رئيس مثير للجدل أو إنهاء حكم متهم بالاستبداد. فانتزاع رئيس دولة ذات سيادة من فراشه في ساعات الفجر الأولى، بالقوة العسكرية المباشرة، يمثل ـ وفق قراءتها ـ كسرًا رمزيًا خطيرًا قبل أن يكون تغييرًا سياسيًا. هنا لم يتبدل رأس السلطة فحسب، بل اهتز أحد الافتراضات الأساسية التي قام عليها النظام الدولي منذ عقود: أن السيادة، مهما كانت هشة، تمنح حدًا أدنى من الحماية من القوة العارية.
العنف حين يُعاد تعريفه
تنطلق آيدين من منظور أنثروبولوجي لتؤكد أن خطورة الحدث لا تكمن في الشخص المستهدف، بل في المنطق الذي يُعاد تطبيعه. فالعنف، في تحليلها، لا يعمل فقط عبر السلاح والجنود، بل عبر اللغة التي تبرره، والسرديات التي تلطّفه، والتصفيق الذي يرافقه. حين يُقدَّم استخدام القوة بوصفه “ضرورة سياسية مفهومة” حتى لو كان موضع شك قانوني، فإن ذلك وحده كافٍ لتآكل المعايير. في هذه اللحظة، يصبح القانون الدولي تفصيلاً ثانويًا، قابلًا للتعليق أو التفاوض، لا قاعدة ملزمة للجميع.
من كاراكاس إلى كييف: أثر الدومينو
تلفت آيدين إلى أن تداعيات هذا المنطق لا تتوقف عند حدود أميركا اللاتينية. فحين تُوصَف انتهاكات السيادة بأنها “مفهومة استراتيجيًا”، تفقد أوروبا إحدى أقوى أوراقها الأخلاقية في الدفاع عن أوكرانيا. عندها يصبح الرد الروسي متماسكًا في منطقه القاسي: القوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها الأمنية، وأقرب حلفاء الغرب يفعلون الشيء ذاته. في هذا السياق، لا يعود للاحتجاج ولا للإدانة وزن حقيقي، ويتحوّل المشهد إلى حوار صريح بين قوى، لا بين قوانين.
القانون الدولي بين الشمول والانتقائية
تشدد آيدين على أن القانون الدولي إما أن يُطبَّق بشكل كوني، أو يفقد معناه بالكامل. الازدواجية ليست خللًا أخلاقيًا فقط، بل ضعفًا بنيويًا يفرغ النظام الدولي من مضمونه. فالنظام الذي يُفترض أن يُحمى بالقواعد، يتآكل من داخله حين تُستثنى منه القوى الأقوى. ما يبقى عندئذ ليس العدالة، بل هرمية القوة.
القوة كعرض لضعف معياري
بعكس ما قد يبدو، ترى آيدين أن الاستعراض الفج للقوة ليس دليل ثقة، بل علامة على تآكل القيود المشتركة. حين تحل الإكراهات محل القبول، والتبريرات اللاحقة محل الضبط المسبق، يتحول العنف من استثناء إلى أداة سياسية مشروعة. في هذه النقطة، يصبح النجاح العملي بديلاً عن المشروعية، وتغدو النتائج أهم من القواعد.
غياب الدولة العالمية وحدود الشرعية
تستدعي آيدين تعريف ماكس فيبر للدولة بوصفها الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة، لتشير إلى مأزق النظام الدولي: لا توجد دولة عالمية، ولا احتكار عالمي للعنف. القانون الدولي هو البديل الهش، منظومة ضبط ذاتي لا تعمل إلا بقدر التزام القوى الكبرى بها. وعندما يُتخلى عن هذا الالتزام بشكل انتقائي، تتشكل منطقة رمادية لا يُشرَّع فيها العنف، بل يُفرض.
حين تبقى القواعد شكلًا بلا سلطة
من منظور أنثروبولوجي، تصف آيدين هذه اللحظة بأنها لحظة انفصال بين القاعدة وسلطتها الاجتماعية. القوانين تظل قائمة على الورق، لكنها تفقد قدرتها الإلزامية، وتتحول إلى طقوس تُستدعى عند الحاجة وتُهمَل عند الكلفة. في هذا السياق، تستحضر تحذيرات الفقيه القانوني الفنلندي مارتي كوسكنييمي، الذي رأى أن القانون الدولي يتأرجح دائمًا بين المعيارية والقوة، وينهار حين يُنظر إليه كأداة بيد الأقوياء لا كمرجعية عامة.
تعلم الانتهاك لا يولد الفوضى بل نظامًا أشد قسوة
لا ترى آيدين في ما يحدث فوضى شاملة، بل عملية تعلم جماعي. الدول تراقب: أي الانتهاكات تمر بلا عقاب، وأيها يُبرَّر، وأيها يُكافأ بالتصفيق. الفاعلون من غير الدول ـ الميليشيات، الشركات العسكرية، القوى الهجينة ـ يستخلصون دروسهم بدورهم. النتيجة ليست انهيار النظام، بل تراجعه إلى نسخة أكثر خشونة، حيث تتآكل المحرمات، وتُطبَّق القواعد أساسًا على من يفتقرون إلى القوة.
لماذا لا تكفي حجة “إسقاط الاستبداد”
تحذر آيدين من اختزال ما جرى في فنزويلا بوصفه مجرد إزالة لنظام سلطوي. هذا التفسير، برأيها، يحوّل السياسة إلى مسألة نيات أخلاقية ويتجاهل البنية. السؤال الحاسم ليس من أُزيح، بل الكيفية التي أُزيح بها. فالوسائل تصنع واقعًا جديدًا، وتشكل توقعات وسلوكيات مستقبلية تتجاوز الحالة المعنية بكثير.
إشارة لا استثناء
تخلص آيدين إلى أن فنزويلا ليست حادثًا معزولًا، بل إشارة كاشفة عن هشاشة ما تبقى من ضوابط النظام الدولي. ما يجري ليس انهيارًا مفاجئًا، بل تحولًا صامتًا في المعايير الجماعية: من القانون إلى قابلية الفرض. الخطر الحقيقي لا يكمن في سقوط حاكم واحد، بل في الاعتياد المتزايد على عالم تُستبدل فيه القواعد بالقوة، ولا يحتاج فيه العنف إلى تبرير، بل إلى نجاح فقط.
خلاصة
ما حدث في فنزويلا، كما تقرأه ياسمين آيدين، يعكس انتقالًا خطيرًا من منطق القانون إلى منطق القابلية على الفرض بالقوة. إنه تحول بنيوي يهدد ما تبقى من النظام الدولي القائم على القيود المشتركة لا على الغلبة.

