شهدت برشلونة حدثاً دبلوماسياً لافتاً تمثل في مشاركة سوريا في المنتدى الإقليمي العاشر للاتحاد من أجل المتوسط، وهو ما يشكّل أول حضور سوري على مستوى وزاري منذ تعليق العضوية قبل أكثر من عقد.
وقد مثّل دمشق مدير إدارة الشؤون الأوروبية في وزارة الخارجية محمد براء شكري، في خطوة تعكس إعادة إدماج تدريجي لسوريا ضمن الأطر الإقليمية بعد سنوات من العزلة التي رافقت العقوبات الأوروبية منذ عام 2011.
الاتحاد من أجل المتوسط… إطار إقليمي واسع يتجدد
يُعدّ الاتحاد من أجل المتوسط منصة تعاون تجمع دول الاتحاد الأوروبي ودول الضفة الجنوبية والشرقية للمتوسط، بهدف دعم التنمية والاستقرار عبر مشروعات مشتركة في مجالات الطاقة والمناخ والاقتصاد والنقل والهجرة. وقد جاء إطلاق “ميثاق المتوسط الجديد” ليعزز هذا الإطار من خلال إعادة صياغة الشراكة على أسس أكثر توازناً، مع التركيز على الاحتياجات التنموية لدول الجنوب.
سياق الانفتاح الجديد في العلاقات السورية – الإقليمية
تأتي العودة السورية ضمن مسار أوسع لإعادة ترتيب علاقات دمشق الخارجية، مستفيدة من التحولات الإقليمية الأخيرة ومساعي بعض العواصم لإعادة دمج سوريا في المؤسسات متعددة الأطراف.
ويشير هذا التحول إلى رغبة واضحة من دمشق في استعادة موقعها الطبيعي داخل شبكات التعاون الإقليمي لاعتبارات اقتصادية وسياسية واستراتيجية.
رابعاً: الأبعاد العملية للعودة السورية
لم تكتفِ دمشق بإظهار حضور رمزي؛ بل قدمت في مداخلاتها تصوراً عملياً يقوم على توظيف هذا الانخراط لتحقيق مصالح تنموية مباشرة، شملت قطاعات التعليم والطاقة والاقتصاد والبنية التحتية والنقل. ويكشف هذا النهج عن إدراك جديد بأهمية الربط بين السياسة الخارجية ومتطلبات إعادة الإعمار، خصوصاً مع حاجة سوريا الماسة لقنوات تمويل وخبرات تقنية تساعد في دفع عملية التعافي.
خامساً: انعكاسات الميثاق الجديد على الدور السوري
التركيز السوري على ضمان استجابة الميثاق الجديد لأولويات دول الجنوب يعكس سعي دمشق لتقديم نفسها كطرف فاعل لا مجرد متلقٍّ للسياسات الأوروبية. هذا التوجه يمنحها مساحة أوسع للمشاركة في النقاشات المتعلقة بالطاقة والمناخ والهجرة والربط الاقتصادي، وهي ملفات تتصدر اليوم الأجندة المتوسطية بفعل المستجدات الجيوسياسية وتداعيات التغير المناخي وحركة النزوح.
سادساً: دلالات سياسية تتجاوز الإطار الفني
تحمل عودة سوريا رسالة سياسية مزدوجة: من جهة، تعكس رغبة الأطراف الأوروبية في اختبار مسارات جديدة للتعامل مع دمشق عبر قنوات التعاون الإقليمي. ومن جهة أخرى، تمنح سوريا منصة لإعادة تشكيل خطابها الدبلوماسي بعد سنوات من الارتباك، تمهيداً لتعزيز حضورها في الملفات الإقليمية متعددة الأطراف.
سابعاً: تطورات سياقية تدعم الانخراط السوري
يأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة تموضع سياسي واسع، منها توسع الاتصالات بين دمشق وعدد من العواصم العربية والأوروبية، وتنامي الاهتمام الدولي بقضايا أمن الطاقة في شرق المتوسط، وبروز حاجة أوروبية لشراكات اقتصادية جديدة مع دول الجنوب، خاصة في قضايا الهجرة وضمان سلاسل التوريد.
هذه السياقات تمنح سوريا فرصة لطرح رؤيتها في الملفات العابرة للحدود، وربط عودتها الإقليمية بمتطلبات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

