شهدت الساحة الدولية مؤخرًا عملية مثيرة للجدل، تمثلت في محاولة نقل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من وطنه إلى الولايات المتحدة، وهو ما أثار ردود فعل واسعة على مستوى السياسات الجيوسياسية والطاقة العالمية.
على الرغم من أن التحليل السطحي يربط هذه الخطوة بالحرب على الموارد والتنافس الأمريكي الصيني على النفوذ في أمريكا اللاتينية، يرى الباحث التركي أيدوغان وطنداش أن القضية أعمق من مجرد صراع نفوذ: فهي تتعلق بكيفية فهم الإنسان للعالم وعلاقته بمسؤوليته تجاهه.
وفقًا لوطنداش، الحديث عن فشل الصين في حماية نفوذها في فنزويلا أو عن أي ثغرات استخباراتية محتملة، أو عن احتمال اندلاع صراع عالمي ثالث، يمثل قراءات تقنية وسياسية ثانوية لا تعالج الجوهر. الجوهر، بحسبه، يكمن في طبيعة العلاقة بين الإنسان والوجود، وكيفية إدراكه لما هو في حوزته من موارد ومسؤوليات.
العالم كأمانة: منظور قرآني
يشير أيدوغان إلى أن القرآن الكريم يعرض رؤية مختلفة تمامًا عن مفهوم الملكية المطلقة، إذ يؤكد على أن العالم ليس ملكًا مطلقًا للإنسان، بل هو أمانة: “لقد عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان”، وهو ما يضع الإنسان في مركز مسؤولية مؤقتة وليس متصرفًا بلا حدود.
في هذا السياق، يُفسر أيدوغان طموح الإنسان للسيطرة على العالم واستغلال موارده بلا قيود على أنه انعكاس لنزعة النفس، وانحراف عن الفطرة السليمة التي تدعو للعدل والاعتدال. ويعتبر وطنداش أن هذه النظرة القرآنية تتعارض جذريًا مع المنطق الرأسمالي المعاصر الذي يقوم على النمو المستمر، واستخدام الموارد باعتبارها سلعًا قابلة للتراكم والاستهلاك غير المحدود.
آثار النزعة الاستهلاكية على النزاعات الدولية
يؤكد التحليل الأكاديمي أن الرغبة في الهيمنة على الموارد والتحكم فيها ليست مجرد مسألة سياسية، بل امتداد طبيعي لسياسة الاستهلاك المتطرف، حيث يتحول النمو من أداة اقتصادية إلى هاجس وجودي. إن النموذج الرأسمالي القائم على التوسع المستمر يجعل من الحرب والمنافسة الدولية أدوات طبيعية لتحقيق هذا التوسع. الطاقة والمياه والمعادن تصبح في هذا الإطار أدوات صراع وليس وسائل خدمة للبشرية.
يشير أيدوغان وطنداش إلى أن هذا النظام يؤدي إلى أزمة بنيوية: الموارد محدودة بينما الطموح لا حدود له، مما يجعل النزاعات المسلحة والاحتكاك بين القوى الكبرى أمرًا متوقعًا. ويضيف أن الأزمة الفنزويلية الأخيرة مثال ملموس على هذه الديناميكية، حيث تتحول الموارد الاستراتيجية إلى أدوات ضغط وسلاح في لعبة القوى الدولية.
الإنسان والطبيعة: أزمة المسؤولية
في إطار هذه الرؤية، يشدد أيدوغان على أن مشكلة البشرية ليست في قلة الموارد، بل في إدراك الإنسان لحدوده وواجباته. الرغبة في التملك والسيطرة غير المحدودة تقود إلى استهلاك مفرط، وانتهاك حقوق الآخرين، وتهديد التوازن البيئي. القرآن يعالج هذه القضية بالتحذير من الإسراف، مؤكداً أن الاعتدال والوعي بالمسؤولية هو السبيل لحفظ الموارد وتحقيق الاستقرار: “كلوا واشربوا ولا تسرفوا”، وهو درس يتجاهله النظام الاقتصادي العالمي اليوم.
ويشير وطنداش إلى أن النموذج الحالي يربط بين الاستهلاك والنفوذ، بحيث تتحول المؤسسات العسكرية والصناعية إلى أدوات لضمان السيطرة على الموارد، فيما تتوسع الدول الكبرى في تدخلاتها الجيوسياسية باسم الأمن الطاقي أو مصالحها الاستراتيجية، ما يجعل العالم ساحة صراع دائم على الطاقة والمعادن والغذاء.
نحو إعادة تعريف الطاقة والمصلحة العالمية
يخلص أيدوغان وطنداش إلى أن الحل لا يكمن في السيطرة على الموارد، بل في إعادة النظر في العلاقة الإنسانية مع العالم. إعادة إدراك الإنسان لحدوده ومسؤوليته تجاه ما بين يديه، وتحويل مفهوم “الملكية” إلى مفهوم “الأمانة”، هو الطريق لإرساء نموذج طاقة جديد قائم على التعاون بدل الصراع. هذا التحول يتطلب إدراكًا عميقًا للوجود والالتزام بأخلاقيات التوازن البيئي والاجتماعي، بعيدًا عن النزعة الاستهلاكية التي تدفع البشرية نحو أزمات متكررة.
إن الصراع في فنزويلا، بحسب وطنداش، ليس مجرد نزاع على السلطة أو النفوذ، بل هو انعكاس ملموس لعقلية التملك المفرط ونسيان الإنسان لمكانته الحقيقية ومسؤوليته الكونية، ما يجعل من هذه الأزمة مؤشرًا خطيرًا على استمرار التوترات الدولية في غياب وعي إنساني جديد.
خلاصة
الأزمة الفنزويلية الأخيرة تمثل نموذجًا صريحًا لهيمنة الرغبة البشرية على الموارد وغياب إدراك المسؤولية. الحل لا يكمن في الصراع على النفوذ، بل في إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والعالم وفق مفهوم الأمانة، والتوازن بين الاستهلاك والحفاظ على الموارد.

