على مدار الاثني عشر عامًا الماضية، لقي ما لا يقل عن 2,664 شابًا مصرعهم في حوادث عمل مأساوية في تركيا، وفقًا لتقرير صادر عن “مراقبة الصحة والسلامة العمالية” (İSİG).
التقرير يكشف أن أكثر من 220 شابًا يفقدون حياتهم سنويًا بسبب ظروف العمل غير الآمنة، مع تسجيل أعلى معدل وفيات في عام 2023، حيث سُجّلت 260 حالة وفاة على الأقل.
القطاعات الأكثر خطورة
تُعدّ صناعة البناء الأكثر فتكًا بالشباب العاملين، إذ شهدت وفاة 695 شخصًا على الأقل خلال هذه الفترة. كما برزت الزراعة والغابات باعتبارهما قطاعين شديدي الخطورة، حيث فقد 453 عاملًا شابًا حياتهم، تلتهما قطاعات الضيافة والترفيه بـ 231 وفاة، والنقل بـ 178، وتصنيع المعادن بـ 157، والتعدين بـ 150. وسلط التقرير الضوء على ارتفاع وفيات العمل في قطاع الضيافة خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع انتشار الوظائف غير المستقرة مثل خدمات التوصيل.
أسباب الوفيات في بيئات العمل
تُعدّ حوادث المرور والنقل السبب الرئيسي لوفيات العمال الشباب، حيث تسببت في 637 حالة وفاة، تلاها السقوط من أماكن مرتفعة بـ 436 حالة. كما أسفرت الإصابات الناتجة عن الانهيارات والسحق عن 403 وفيات، بينما أدى الصعق الكهربائي إلى وفاة 242 عاملًا. ومن بين الأسباب الأخرى للوفيات حالات التسمم والاختناق (209)، والعنف في أماكن العمل (167)، والانفجارات والحرائق (123). كما وثّق التقرير 194 حالة انتحار مرتبطة بظروف العمل القاسية، مشيرًا إلى أن العديد من هذه الوفيات كان يمكن تجنبها عبر تدابير سلامة صارمة وإشراف فعال، خصوصًا في القطاعات عالية الخطورة مثل البناء والزراعة.
تأثير غياب النقابات العمالية
كشف التقرير عن مشكلة جوهرية أخرى تتمثل في غياب الحماية النقابية للعمال الشباب، إذ لم يكن سوى 3.2% فقط من الضحايا أعضاء في نقابات، مقارنة بنسبة 13% بين القوى العاملة في تركيا. وقد ظلّت معايير السلامة المهنية المتراخية مصدر قلق رئيسي لعقود، حيث أصبحت حوادث العمل واقعًا شبه يومي في البلاد. في عام 2024 وحده، سجلت مراقبة الصحة والسلامة العمالية ما يقرب من 2,000 حالة وفاة بسبب ظروف العمل غير الآمنة.
تدهور أوضاع العمالة في عهد حزب العدالة والتنمية
منذ وصول حزب العدالة والتنمية (AKP) إلى السلطة في نوفمبر 2002، تم الإبلاغ عن أكثر من 30,000 حادث عمل في تركيا. ويرى منسق مراقبة الصحة والسلامة العمالية العام، مراد تشاكير، أن ارتفاع أعداد الوفيات في أماكن العمل مرتبط بسياسات الحزب الحاكم، التي تهدف – على حد وصفه – إلى تحويل تركيا إلى مصدر للعمالة الرخيصة لصالح أوروبا. وأشار تشاكير إلى أن العديد من العمال يضطرون للعمل في ظروف غير آمنة خوفًا من فقدان مصدر رزقهم وعدم القدرة على إعالة أسرهم.
تركيا ضمن أسوأ الدول في حقوق العمال
بدأت مراقبة الصحة والسلامة العمالية توثيق وفيات العمل في عام 2011، وتعمل منذ ذلك الحين على تسجيل حالات العمال الذين يموتون نتيجة نقص تدابير السلامة المهنية، مع الدعوة إلى تنفيذ إجراءات أكثر صرامة لحماية العمال.
ووفقًا لتقرير الاتحاد الدولي للنقابات العمالية (ITUC)، تُعدّ تركيا واحدة من أسوأ عشر دول في العالم من حيث حقوق العمال في القطاعات الصناعية. وأوضح التقرير، الصادر عن مقر الاتحاد في بروكسل، أن الحريات والحقوق العمالية في تركيا شهدت تدهورًا ملحوظًا، خاصة مع تزايد قمع الشرطة للاحتجاجات العمالية في عام 2024.
يؤكد هذا التقرير أن أزمة حوادث العمل في تركيا ليست مجرد حوادث فردية، بل هي انعكاس لسياسات اقتصادية تهمل معايير السلامة وحقوق العمال، مما يجعل الحاجة إلى إصلاحات جذرية أمرًا ملحًا لضمان بيئة عمل أكثر أمانًا وإنصافًا.

