لا تبدأ الانحرافات النفسية الكبرى في العلاقات الأسرية بصدامٍ فجّ، ولا بإيذاءٍ صريح، بل تنشأ غالبًا في مناطق رمادية؛ في صمتٍ متراكم، وفي تبدّلٍ خفيّ في السلوك، وفي انكسارات صغيرة لا تُلفت النظر أول الأمر، لكنها تُضعف الثقة شيئًا فشيئًا. وقد تشعر الأم، بعد سنوات من العطاء والرعاية، أن العلاقة التي كانت قائمة على الرحمة تحوّلت إلى عبءٍ نفسي، وأن الحب الذي منحته صار أداة ضغط تُستَخدم ضدّها.
في المنظور الإسلامي، لا تُفهم هذه الظواهر باعتبارها “شرًّا مجرّدًا”، بل باعتبارها انحرافًا في تزكية النفس، وخللًا في ميزان الأخلاق، وغيابًا للمراقبة القلبية التي تُقيم السلوك على أساس المسؤولية أمام الله، لا على أساس المصلحة والهوى.
استثمار الذنب بدل التوبة
من أوائل العلامات التي تشير إلى خللٍ أخلاقي عميق أن يتحول الخطأ الماضي – لا سيما أخطاء التربية أو التقصير البشري الطبيعي – إلى وسيلة ابتزاز نفسي. فبدل أن يكون الذنب مدخلًا للمغفرة، والتسامح، والإصلاح، يصبح أداة سيطرة وإخضاع.
والإسلام يفرّق بوضوح بين التذكير للإصلاح والتذكير للإذلال. قال تعالى:
(وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات: 11)
فاللمز لا يُقصد به مجرد الكلام، بل كل ما يُضعف كرامة الإنسان ويحبسه في صورةٍ دونية. والابن الذي يذكّر أمّه بأخطائها ليُشعرها بالعجز لا يسعى للحق، بل للهيمنة، وهو سلوك يدل على نفسٍ لم تتعلّم معنى العفو، ولا فقه البرّ، ولا مقام الإحسان.
تشويه الرواية وتزييف الواقع
تظهر علامة أخرى حين يصبح الحديث عن الواقع متغيّرًا بتغيّر المصلحة. تُعاد صياغة الأحداث، وتُحذف التفاصيل، وتُضاف اتهامات غير مباشرة، بحيث يظهر الابن دائمًا في موضع المظلوم، وتُصوَّر الأم – أو الأسرة – بوصفها مصدر القيد والأذى.
هذا السلوك لا يندرج في باب “سوء الفهم”، بل في باب القول بغير حق، وهو مما شدّد الإسلام في التحذير منه: (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ) (البقرة: 42)
فتزييف الوقائع لا يدمّر العلاقة فحسب، بل يزرع الشك في النفوس، ويُفقد الإنسان قدرته على الثقة بذاته وإدراكه، وهو لون من ألوان الظلم المعنوي الذي يُعدّ من أعظم الأذى.
غياب الندم الصادق
من أخطر العلامات أن يغيب الندم الحقيقي، ويحلّ محله اعتذارٌ شكلي، أو تراجعٌ تكتيكي لا يُقصد به إصلاح النفس، بل إيقاف المساءلة. فالندم في الإسلام ليس كلمات، بل حالة قلبية تُثمر تغييرًا.
قال النبي ﷺ: “الندم توبة” (ابن ماجه)
فإذا خلا السلوك من أثر الندم، وبقي الأذى يتكرر، دلّ ذلك على خلل في الضمير الإيماني، وغياب محاسبة النفس التي هي أصل الاستقامة.
الانتقاص العلني المستتر
حين يبدأ الابن بتقليل شأن أمّه أمام الآخرين – لا بالسبّ الصريح، بل بالسخرية الخفيفة، أو الإشارات، أو الصمت المهين – فإن العلاقة تدخل طورًا جديدًا من الانتهاك المعنوي.
والإسلام جعل كرامة الإنسان أصلًا لا يُمس، وجعل انتقاص الوالدين من أعظم العقوق، قال تعالى: (فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ) (الإسراء: 23)
و”أفّ” ليست شتيمة، بل أقل تعبير عن الضجر. فما بالك بما هو أعمق وأقسى؟
التحريض وبناء التحالفات الخفية
تبلغ العلاقة ذروة الاختلال حين لا يواجه الابن أمّه مباشرة، بل يُحرّض الآخرين عليها، ويصنع روايات جزئية ليكسب التعاطف، ويعزلها نفسيًا. هذا النمط يُعرف في الأخلاق الإسلامية باسم الإفساد بين الناس.
قال تعالى: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) (النحل: 105)
فالتحريض ليس خلافًا عاديًا، بل سعي لامتلاك الصورة والهيمنة على الإدراك، وهو ما يُنتج شكًّا داخليًا مؤلمًا لدى الضحية، يدفعها للتساؤل عن ذاتها لا عن الظلم الواقع عليها.
اللطف المشروط والسحر الوظيفي
يظهر أحيانًا وجهٌ آخر: لطفٌ مبالغ فيه، حنانٌ محسوب، كلمات جميلة تُقال عند الحاجة فقط. هذا السلوك، وإن بدا إيجابيًا، إلا أنه في حقيقته مشروط بالغرض.
والإسلام يميّز بين الإحسان لوجه الله والإحسان للمنفعة. قال تعالى: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) (الإنسان: 9)
فالخلق الذي يتغيّر بتغيّر المصلحة ليس خلقًا، بل مهارة اجتماعية خالية من الصدق.
الهروب من المحاسبة الذاتية
أخطر ما في هذا النمط من السلوك هو الهروب الدائم من مواجهة النفس. كل حوار يتحوّل إلى جدل، وكل محاولة صادقة تُقابل بالإنكار أو الإسقاط أو التبرير. وهذا يتناقض مع أصلٍ عظيم في الإسلام: محاسبة النفس.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا”
فالإنسان الذي يرفض النظر في داخله لا يستطيع إصلاح علاقاته، لأنه لم يُصلح علاقته بنفسه ولا بربه.
ماذا يتبقّى للأم؟
حين تصل الأم إلى مرحلة تدرك فيها أن استمرار العلاقة بهذا الشكل يهدّد سلامها النفسي وكرامتها الإنسانية، فإن الإسلام لا يطالبها بالفناء، ولا بالصبر الذي يُهدر النفس، بل يقرّ مبدأ الحدود.
قال تعالى: (وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) (البقرة: 237)
والفضل لا يعني إلغاء الذات، بل الحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة دون قطيعة عدائية، ودون شعور بالذنب.
فالانسحاب الهادئ، وضبط التوقعات، والتوقف عن الاستنزاف، ليس عقوقًا، بل حكمة. وليس ضعفًا، بل وعيًا بأن الهداية مسؤولية فردية، وأن القلوب لا تُفتح بالقوة.
إن إدراك حدود القدرة ليس فشلًا، بل نضج. والاعتراف بأن بعض العلاقات لا تُصلَح ما لم يُرد الطرف الآخر الإصلاح ليس قسوة، بل صدق. فالله تعالى لم يكلّف الإنسان بهداية غيره، بل كلّفه بالعدل، والإحسان، وحفظ النفس.
(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: 286)
وحين تختار الأم السلام الداخلي، فهي لا تهرب من الحب، بل تعود إلى معناه الصحيح: حبٌّ لا يُهين، ولا يُذل، ولا يُنكر الذات.
وهذا هو البرّ حين يُفهَم في ضوء الحق، لا في ظلّ الاستغلال.

