تشهد العاصمة التركية أنقرة فصلاً جديداً من التوتر بين الحكومة والمعارضة، بعد أن طلب مكتب المدعي العام الإذن من وزارة الداخلية لفتح تحقيق رسمي بحق رئيس بلدية أنقرة منصور يافاش وعدد من مساعديه، في قضية تتعلق بإنفاق البلدية على فعاليات ثقافية وحفلات موسيقية نُظمت بين عامي 2021 و2024.
الطلب، الذي أثار ردود فعل واسعة في الأوساط السياسية، يأتي في وقت تعتبر فيه المعارضة أن مثل هذه التحقيقات تُستخدم كورقة ضغط على البلديات التي فازت بها أحزابها خلال الانتخابات المحلية الأخيرة.
خلفية القضية: عقود ثقافية وتحقيقات بالاختلاس
القضية تعود إلى عقود موقعة لتنظيم اثنين وثلاثين فعالية ثقافية في بلدية أنقرة، قالت النيابة العامة إنها تسببت بخسائر مالية تقدّر بـ 154 مليون ليرة تركية (نحو 3.7 ملايين دولار) نتيجة تضخيم الأسعار والتلاعب في المناقصات.
وفي أواخر سبتمبر الماضي، أوقفت السلطات أربعة عشر شخصاً على ذمة التحقيق، من بينهم رؤساء سابقون لإدارات الثقافة في البلدية ومسؤولون تنفيذيون في شركات خاصة، ليتم لاحقاً اعتقال خمسة منهم رسمياً بتهم تتعلق بالاختلاس وتزوير العطاءات.
مكتب المدعي العام أشار إلى أن التحقيق الجديد يهدف إلى تحديد ما إذا كان رئيس البلدية يافاش ورئيس ديوانه قد أخفقا في أداء واجبهما الإشرافي خلال فترة تنفيذ تلك العقود.
يافاش يرد: “كل قرش مسجل، وكل معاملة شفافة”
رئيس البلدية، الذي يُعد أحد أبرز وجوه حزب الشعب الجمهوري المعارض، رفض الاتهامات بشدة، واعتبرها محاولة “لترجيح كفة العدالة ضد المعارضة“.
وفي بيان علني أصدره يوم الجمعة، أكد يافاش أن إدارته خضعت لعمليات تدقيق متكررة من قبل أجهزة الدولة، بما في ذلك مفتشو وزارة الداخلية وهيئة التحقيق في الجرائم المالية (MASAK)، دون أن يتم العثور على أي مخالفات.
وقال يافاش: “كل معاملة موثقة، وكل قرش مسجل. إذا استُدعينا للشهادة، فنحن مستعدون للمثول طوعاً. لا نخفي شيئاً، ولا نخجل من شيء”.
وأضاف أن بعض الأطراف “انزعجت لأن اسمه لم يُذكر في لائحة الاتهام”، معتبراً أن الهدف الحقيقي هو تسييس العدالة و”معاقبة الإدارة المحلية لأنها كشفت مخالفات سابقة تعود لفترة حكم الحزب الحاكم في أنقرة”.
المعارضة: استهداف إرادة الناخبين
حزب الشعب الجمهوري اعتبر الخطوة استهدافاً سياسياً مباشراً للبلديات المعارضة.
وقال المتحدث باسم الحزب، دنيز يوجيل، إن قرار التحقيق “ليس موجهاً ضد منصور يافاش كشخص، بل ضد إرادة الناخبين في أنقرة الذين اختاروه بأغلبية ساحقة“.
وأكد يوجيل أن الحزب يرى في القضية جزءاً من حملة منظمة تهدف إلى إضعاف رؤساء البلديات المعارضين الذين فازوا في الانتخابات الأخيرة، مضيفاً أن “السلطة لم تتقبل بعد خسارتها السياسية في المدن الكبرى“.
سياق أوسع: حملة ضغط على البلديات المعارضة
تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التوتر بين الحكومة التركية والمعارضة، ولا سيما بعد سلسلة من التحقيقات والاعتقالات بحق رؤساء بلديات ينتمون إلى المعارضة.
ففي مارس الماضي، اعتُقل رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي يُعد المرشح الأبرز للانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028، على خلفية قضية اعتبرها حزب الشعب الجمهوري “مفبركة سياسياً“.
يرى مراقبون أن يافاش، الذي أعيد انتخابه في عام 2024 بنسبة تجاوزت ستين في المئة من الأصوات، أصبح اليوم الوجه الثاني الأبرز في المعارضة التركية بعد إمام أوغلو، ما يجعله هدفاً محتملاً لأي حملة سياسية تهدف إلى تحجيم نفوذ المعارضة في البلديات الكبرى.
بين العدالة والسياسة: معركة توازنات دقيقة
تسلط هذه القضية الضوء على التداخل المعقد بين القضاء والسياسة في تركيا، حيث أصبحت البلديات المعارضة — خاصة في أنقرة وإسطنبول وإزمير — ساحة مواجهة مستمرة بين السلطة التنفيذية والمعارضة.
ويرى محللون أن الحكومة تسعى إلى استعادة السيطرة الرمزية على هذه المدن التي تمثل القلب الاقتصادي والسياسي للبلاد، بينما تحاول المعارضة إثبات قدرتها على الإدارة النزيهة والشفافية وسط ضغوط متزايدة.
وبينما تؤكد النيابة أن تحقيقاتها “قانونية بحتة”، يرى خصومها أن الهدف هو إضعاف شعبية رموز المعارضة قبل الانتخابات المقبلة، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية المتفاقمة التي تهدد صورة الحكومة لدى الناخبين.
القضية الجديدة ضد منصور يافاش ليست مجرد تحقيق إداري في نفقات بلدية، بل محطة جديدة في صراع الإرادات بين الحكومة والمعارضة في تركيا. فبينما يصرّ يافاش على أن كل إنفاق في بلديته تمّ بشفافية تامة، يرى خصومه أن القضية قد تكون مقدّمة لحملة سياسية أوسع تستهدف تحجيم المعارضة المحلية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى انتخابات 2028 وما بعدها.

