دخلت تركيا مرحلة أكثر حساسية في المشهد البحري للحرب الروسية – الأوكرانية، بعدما تحوّلت مياهها الإقليمية ومناطق مسؤوليتها إلى مسرح لضربات متتالية استهدفت ناقلات نفط مرتبطة بالتجارة الروسية.
ويؤكد الخبراء أن البحر الأسود لم يعد فضاءً جانبياً للنزاع، بل جبهة نشطة باتت أنقرة مضطرة للتعامل معها مباشرة رغم تبنيها سياسة “الحياد الفعّال”.
سلسلة ضربات قرب السواحل التركية والسياق المتفجر للنزاع
تعرّضت ثلاث ناقلات خلال أيام قليلة لهجمات بطائرات مسيّرة أو مواد ناسفة في مناطق ضمن نطاق البحث والإنقاذ التركي، إحداها داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة. كما أُصيبت ناقلة مملوكة لتركيا قبالة سواحل السنغال، في مؤشر على امتداد خطوط الاشتباك إلى خارج البحر الأسود.
جميع السفن المستهدفة كانت مرتبطة حديثاً بشحنات نفط روسي، وهو ما تعتبره كييف جزءاً من حربها لتقليص إيرادات موسكو.
حادث ميدفولغا 2 وتحوّل مياه تركيا إلى منطقة ضغط
أبلغت الناقلة الروسية ميدفولغا 2 عن تعرضها لهجوم على بعد نحو ثمانين ميلاً من ولاية سينوب، أثناء نقلها زيت دوار الشمس من روسيا إلى جورجيا. ورغم عدم إصابة الطاقم، أثار الحادث حساسية كبيرة لأنه وقع في منطقة تنسق فيها تركيا عمليات الإنقاذ، بما يعكس انتقال الضربات إلى حدود مسؤوليتها المباشرة.
ضربات كايروس وفيرات داخل المنطقة الاقتصادية التركية
تعرضت ناقلتا كايروس وفيرات لانفجارات وحرائق في جنوب البحر الأسود، بينما كانتا متجهتين فارغتين إلى ميناء نوفوروسيسك الروسي. وتؤكّد التقييمات الأوكرانية استخدام زوارق Sea Baby غير المأهولة في العمليتين، واعتبار الناقلات جزءاً من “أسطول الظل” الذي يستخدم أعلاماً بديلة لتجاوز العقوبات.
هجوم قبالة السنغال: اتساع خارطة الاستهداف البحري
تعرضت الناقلة “مرسين” لأربع انفجارات خارجية قرب داكار، وغمرت المياه غرفة محركها. ويشير مختصون في الأمن البحري إلى أن الناقلة كانت قد زارت ميناءً روسياً مؤخراً، ما يجعل الهجوم امتداداً لحملة واسعة ضد شبكات تهريب النفط الروسي، رغم عدم تبنّي أي جهة رسمياً.
ردّ فعل تركي حاد وتحذيرات من الانزلاق
ندد الرئيس التركي بالهجمات داخل المنطقة الاقتصادية واعتبرها “تصعيداً خطيراً وغير مقبول”. وأشارت وزارة الخارجية إلى مخاطر جسيمة على الملاحة والأرواح والبيئة، مؤكدةً تواصل أنقرة مع مختلف الأطراف لمنع انتشار الحرب داخل البحر الأسود.
قراءات متباينة في أنقرة: بين الضغط السياسي وتآكل الحياد
يرى مسؤولون عسكريون متقاعدون أن النمط المتكرر للهجمات يهدف للضغط على أنقرة ودفعها للتخلي عن موقفها الحذر تجاه الحرب. وتذهب بعض القراءات إلى أن كييف تسعى لجعل البحر الأسود امتداداً لواقعها الحربي وإشراك تركيا في استراتيجية غربية أوسع.
وتبرز دعوات لمراجعة الدعم العسكري لأوكرانيا، وتذكير كييف بأن سفينتيها الحربيتين ما تزالان محتجزتين في تركيا، مع التأكيد أن العقوبات غير الصادرة عن الأمم المتحدة ليست ملزمة لأنقرة.
تقديرات غربية: مرحلة جديدة من الحرب البحرية
محللون بحريون دوليون يؤكدون أن هجمات كايروس وفيرات تمثل قفزة في شدة العمليات الأوكرانية ضد الأصول الروسية، مع توقعات برد روسي أعنف على الموانئ الأوكرانية وربما على السفن المتجهة إليها خارج مياه دول الناتو.
وتشير هذه التقديرات إلى أن انتقال محور العمليات جنوباً سيجعل الممرات المؤدية إلى المضائق التركية أكثر توتراً، ما قد يفرض على أنقرة خيارات صعبة تتعلق بالمراقبة والدفاع الجوي وتبادل المعلومات الاستخبارية.
تزايد الأخطار على مقربة من مضيق البوسفور
يرى محللون بحريون أن استخدام طائرات مسيّرة بحرية للوصول إلى أهداف على مقربة من السواحل التركية يمهد لوضع خطير إذا طالب مالكو السفن بحماية عسكرية. مثل هذا السيناريو قد يدفع روسيا لإخراج وحدات إضافية من أسطولها الأسود، ما يزيد فرص الاحتكاك بين السفن الروسية والمسيّرات الأوكرانية في مناطق تملك تركيا وبلغاريا ورومانيا سلطة بحريّة عليها.
تبدّل في قواعد المخاطرة التجارية
شركات التأمين رفعت أقساط المخاطر على السفن المتجهة إلى الموانئ الروسية، بينما فضّل بعض الملاك تجنّب نوفوروسيسك. وتشير البيانات المتاحة إلى تعرض عدة سفن زارت موانئ روسية لضربات بألغام لاصقة أو مسيّرات خلال الأشهر الماضية، سواء في البحر الأسود أو المتوسط أو حتى غرب أفريقيا.
تركيا بين توازنات مضيق مونترو ومتطلبات الواقع الجديد
منذ عام 2022 تحاول أنقرة الحفاظ على توازن دقيق: إغلاق المضائق أمام السفن الحربية للدول المتحاربة، والامتناع عن الانضمام للعقوبات الغربية، والمشاركة في ترتيبات ممر الحبوب، بالتوازي مع استمرار التعاون الدفاعي مع أوكرانيا والشراكات الاقتصادية مع روسيا.
لكن ضربات الناقلات تقرّب خطوط الحرب من السواحل التركية، وتثير نقاشاً داخلياً حول إمكانية إنشاء “ممرات آمنة” للسفن التجارية أو تعزيز الدوريات البحرية، إضافة إلى تحديث أنظمة الرادار والتشويش الإلكتروني لرصد المسيّرات قبل وصولها إلى خطوط الملاحة.
أفق معقّد وتهديدات متزايدة
تؤكد كييف أنها ستواصل استهداف ناقلات النفط التي تدعم الاقتصاد الروسي، بينما تصف موسكو الهجمات بالقرصنة وتهدد بحرمان أوكرانيا من أي منفذ بحري. وفي الوسط، تجد تركيا نفسها أمام معادلة دقيقة: حماية موقعها كحارس المضائق، دون الانجرار إلى قلب النزاع البحري الذي يقترب أكثر من مياهها.

