تتحول المحادثات الدفاعية بين السعودية وتركيا بشأن المقاتلة التركية من الجيل الخامس “كاان” إلى ملف سياسي يتجاوز حدود التعاون الصناعي، بعدما أبدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحفظاً واضحاً على أي اتفاق محتمل قد يقلّص حصة واشنطن في سوق التسليح السعودي، أحد أكبر أسواق السلاح الأمريكية عالمياً.
الرسائل الأمريكية الموجهة إلى الرياض حملت طابعاً مباشراً: ما الحاجة العملياتية التي لا تلبيها الولايات المتحدة وتدفع المملكة للبحث عن بديل تركي؟ في خلفية هذا التساؤل يقف توجه معلن داخل الإدارة الأمريكية يهدف إلى تكريس الولايات المتحدة كمزوّد حصري رئيسي للحلفاء، مع أولوية مطلقة للصادرات الدفاعية الأمريكية.
عرض أمريكي متقدم… وحدود التفوق الإسرائيلي
التوتر المستجد يأتي بعد إعلان ترامب في نوفمبر السماح للسعودية بشراء مقاتلات F-35 Lightning II خلال زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض.
غير أن المسألة لا تخلو من قيود سياسية. فقد أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تعهد بمنح الرياض نسخة أقل تطوراً من الطائرة مقارنة بالنسخة الإسرائيلية، حفاظاً على “التفوق العسكري النوعي” الذي تلتزم واشنطن بضمانه لإسرائيل.
هذا الشرط يعيد إلى الأذهان تجربة الإمارات، حين تعثرت صفقة إف-35 بسبب اعتبارات سياسية وتقنية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت الصفقة السعودية قد تواجه عراقيل مماثلة، خاصة إذا تصاعدت التحفظات الإسرائيلية.
“كاان” التركية: مشروع استراتيجي يبحث عن شريك صناعي
في المقابل، يدفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باتجاه شراكة استثمارية مع الرياض في مشروع المقاتلة كاان، مؤكداً خلال زيارته للسعودية مطلع فبراير أن توقيع اتفاق مشترك قد يتم في أي لحظة. وقد عُرض نموذج للطائرة خلال معرض الدفاع العالمي 2026 في الرياض مزيّناً بالعلم السعودي، في رسالة رمزية واضحة.
مدير عام الصناعات الجوية التركية، محمد دمير أوغلو، أوضح أن الخيارات المطروحة تشمل شراءً مباشراً لنحو عشرين طائرة، وهو ما يعادل سرباً صغيراً، أو إقامة خط تجميع نهائي داخل المملكة، وهو خيار يتطلب طلبية لا تقل عن خمسين طائرة لتحقيق جدواه الاقتصادية.
معادلة الإنتاج المشترك ونقل المعرفة
التحليلات الدفاعية تشير إلى أن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في مقاربة تدريجية: بدءاً بشراء مباشر محدود، يتبعه منح الرياض حصة صناعية في مجالات الهياكل والصيانة والإصلاح وتجميع بعض المكونات، ثم تعميق المشاركة لاحقاً تبعاً لنضج البرنامج ومستوى التوافق السياسي.
غير أن الانتقال إلى إنتاج محلي واسع أو تجميع نهائي يفرض تحديات تتعلق بضوابط التصدير، وإدارة الملكية الفكرية، وسلطة التصميم، وضبط التكوين الهندسي، وهي عناصر لا تتحقق بمجرد إعلان سياسي، بل تتطلب بنية مؤسسية متماسكة وثقة استراتيجية متبادلة.
دوافع سعودية: توطين الصناعة تحت مظلة “رؤية 2030”
الدافع السعودي لا يقتصر على تنويع مصادر التسليح، بل يرتبط بخطة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الهادفة إلى توطين نصف الإنفاق الدفاعي بحلول عام 2030. المملكة تميل إلى الصفقات التي تتضمن نشاطاً صناعياً داخل أراضيها، لا مجرد تسليم منصات جاهزة.
في هذا السياق، ترى أوساط بحثية في الرياض أن وتيرة الانخراط الأمريكي في ترتيبات إنتاج مشترك عميقة لا تزال أبطأ من الطموحات السعودية، ما يدفع المملكة إلى استكشاف شراكات توصف بمرونة أكبر في نقل المعرفة.
ورقة ضغط تفاوضية أم خيار استراتيجي؟
خبراء أمريكيون سابقون ينظرون إلى الانفتاح السعودي على “كاان” بوصفه أداة تفاوضية لتحسين شروط صفقة إف-35. فدول الخليج اعتادت استخدام صفقات السلاح كأداة سياسية لانتزاع تنازلات تقنية أو مالية، وليس فقط لبناء قدرات عسكرية بحتة.
التاريخ القريب يقدم مثالاً حين لوّحت الرياض بشراء منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400 خلال مفاوضاتها على نظام “ثاد” الأمريكي، ما أثار آنذاك غضب واشنطن.
هل يمكن الجمع بين إف-35 و”كاان”؟
من الناحية النظرية، تشغيل أسطول مختلط من المقاتلتين أمر ممكن، إذ تعتمد دول عدة على تشكيلات جوية متنوعة. لكن إدخال طائرتين من الجيل الخامس يفرض ترتيبات صارمة للفصل التقني والأمني، نظراً لحساسية التكنولوجيا الأمريكية، خصوصاً فيما يتعلق بأنظمة التخفي والبرمجيات.
اللافت أن “كاان”، رغم تقديمها كمشروع تركي وطني، لا تزال تعتمد حالياً على محرك F110 من شركة جنرال إلكتريك الأمريكية، بانتظار اكتمال تطوير المحرك المحلي TF35000 من قبل شركات تركية. وعند اكتمال هذا المحرك، يُتوقع أن تصبح “كاان” أول مقاتلة غربية من الجيل الخامس خارج القيود الصارمة لقانون تنظيم تصدير الأسلحة الأمريكي، ما يمنحها جاذبية إضافية لدول تسعى لتنويع مصادرها الدفاعية.
تقدم تقني وتسارع تعاقدي
البرنامج، الذي أُطلق عام 2016 بالتعاون مع شركةBAE Systems في مرحلة التصميم، تبلغ كلفته نحو 1.18 مليار دولار. النموذج الأولي الحقيقي للطيران P1 يُنتظر أن يحلّق للمرة الأولى خلال النصف الأول من العام الجاري، بعد رحلتين تجريبيتين للنموذج P0.
كما أعلن رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية بدء الإجراءات التعاقدية لتسليم الطائرة إلى سلاح الجو التركي، في مؤشر على انتقال المشروع من مرحلة الاختبار إلى التخطيط العملياتي.
وعلى هامش معرض الرياض، وُقّعت مذكرة تفاهم لإنتاج مروحية “غوكباي” T625 بشكل مشترك داخل المملكة، مع التأكيد على إمكانات التصدير، ما يعكس اتساع نطاق التعاون الدفاعي بين البلدين.
المشهد الجيوسياسي: تحولات إقليمية تضيف تعقيداً
المحادثات الدفاعية تجري في سياق إقليمي سريع التحول. السعودية أعادت تموضعها في اليمن في مواجهة نفوذ الإمارات، كما تدعم الجيش السوداني إلى جانب مصر وتركيا في صراعه مع قوات الدعم السريع المدعومة من أبو ظبي.
هذا المشهد يفرض على الرياض إعادة تقييم تحالفاتها ومصادر تسليحها بما يتوافق مع أولوياتها الاستراتيجية الجديدة.
حسابات إسرائيلية واحتمالات التعطيل
يبقى السؤال مطروحاً: هل يمكن أن تواجه صفقة إف-35 السعودية عراقيل شبيهة بما حدث للإمارات، ولكن هذه المرة بدافع تحفظات إسرائيلية؟
يرجّح مراقبون أن الرياض ستقبل حتى بنسخة مخففة من الطائرة الأمريكية إذا كان ذلك ثمن الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، وإن لم يخلُ الأمر من امتعاض سياسي.
خلاصة
الانفتاح السعودي على مشروع “كاان” التركي يعكس سعياً مزدوجاً لتنويع مصادر السلاح وتعزيز التصنيع المحلي، لكنه يصطدم بحساسية أمريكية وإسرائيلية مرتبطة بالتفوق التكنولوجي.
المملكة تبدو عازمة على إبقاء جميع الخيارات مفتوحة، سواء كأداة تفاوضية لتحسين شروط صفقة إف-35 أو كخيار استراتيجي طويل الأمد.

