في خطوة تعكس تنامي التعاون الصناعي بين المملكة المتحدة وتركيا، أبرمت شركة “بريتيش ستيل” عقدًا ضخمًا لتوريد 36 ألف طن من قضبان السكك الحديدية لمشروع خط القطار فائق السرعة بين أنقرة وإزمير، أحد أبرز مشاريع البنية التحتية الجارية في تركيا.
الصفقة، التي وُصفت بأنها بملايين الجنيهات الإسترلينية، تمثل دفعة إنتاجية مهمة لمصنع الشركة في سكونثورب شمال إنجلترا، وتعيد تشغيل خطوط التصنيع فيه على مدار الساعة للمرة الأولى منذ أكثر من عقد.
تفاصيل التعاقد والإنتاج
تم الاتفاق على العقد مع مجموعة إي آر جي الدولية، المقاول الرئيسي للمشروع. ومن المقرر أن تستمر عمليات التسليم حتى عام 2026، مع تصنيع القضبان بالكامل في منشأة سكونثورب، ما يعزز موقع المصنع داخل منظومة الإنتاج الأوروبية للشركة.
وتشير التقديرات إلى أن العقد سيوفر نحو 23 فرصة عمل جديدة في الموقع، في وقت كانت فيه عمليات المصنع تعاني من ضغوط مالية متراكمة خلال السنوات الأخيرة.
خط أنقرة–إزمير: رهان تركي على النقل السريع
يمتد خط القطار فائق السرعة بين العاصمة أنقرة ومدينة إزمير الساحلية على مسافة تقارب 599 كيلومترًا، وهو مشروع استراتيجي يهدف إلى تقليص زمن الرحلات بين المدينتين وربط مركز القرار السياسي في الداخل بالميناء التجاري الأهم في غرب البلاد.
ويمثل المشروع جزءًا من رؤية أوسع لتحديث شبكة السكك الحديدية التركية، بما في ذلك توسيع الخطوط المكهربة وتعزيز قدرات النقل بعيدًا عن الطرق البرية، في إطار سياسات تهدف إلى خفض الانبعاثات وتخفيف الضغط على شبكات النقل التقليدية.
دعم حكومي بريطاني وتوسيع فرص التصدير
يحظى العقد بدعم من وكالة تمويل الصادرات البريطانية، وهي الجهة الحكومية المختصة بتقديم ضمانات قروض وتأمينات تسهّل حصول الشركات البريطانية على عقود خارجية.
ويأتي هذا الدعم ضمن مساعٍ أوسع لتعزيز صادرات الصناعات الثقيلة البريطانية، لا سيما في قطاعات الصلب والهندسة والبنية التحتية، في ظل المنافسة العالمية المتزايدة.
خلفية مالية وتحولات تكنولوجية داخل الشركة
واجهت عمليات سكونثورب التابعة لـ “بريتيش ستيل” خسائر مالية في السنوات الأخيرة، ما وضع الشركة أمام تحديات تتعلق بالاستدامة والتحديث الصناعي. ومنذ استحواذ مجموعة Jingye (جينجي) الصينية عليها عام 2020، دخلت الشركة في مناقشات مع الحكومة البريطانية بشأن خطط تحديث طويلة الأمد.
وتتضمن هذه الخطط التحول من أفران الصهر التقليدية إلى تقنية الأفران الكهربائية بالقوس، وهي خطوة تستهدف تقليل الانبعاثات الكربونية وتحسين الكفاءة الطاقية، انسجامًا مع التوجهات البيئية في أوروبا.
امتداد التعاون: مشروع جنوبي سابق
لا يُعد هذا العقد الأول من نوعه بين الجانبين، إذ سبق أن أعلنت المملكة المتحدة في عام 2023 تقديم دعم ائتماني تصديري بقيمة 680 مليون جنيه إسترليني لمشروع خط السكك الحديدية عالي المعايير بين مرسين وأضنة وعثمانية وغازي عنتاب في جنوب تركيا.
ويمتد هذا الخط لمسافة 286 كيلومترًا، ويشمل أنفاقًا وجسورًا و21 محطة، ويهدف إلى رفع قدرة الشحن وتقليص زمن السفر بين مدن صناعية رئيسية. وكانت بريتيش ستيل من بين الموردين في ذلك المشروع أيضًا، ما يعكس حضورًا مستمرًا لها في مشاريع البنية التحتية التركية.
سياق أوسع: تركيا وتوسيع شبكة السكك الحديدية
شهد العقد الماضي استثمارات تركية مكثفة في قطاع السكك الحديدية، مع توسع ملحوظ في شبكات القطارات فائقة السرعة والخطوط المكهربة، في إطار استراتيجية لتحويل جزء أكبر من حركة الركاب والبضائع من الطرق إلى السكك الحديدية. ويُنظر إلى هذه المشاريع باعتبارها أدوات لتحفيز النمو الاقتصادي وتقليل تكاليف النقل وتحقيق أهداف بيئية طويلة المدى.
خلاصة
العقد بين بريتيش ستيل وتركيا يعكس تقاطع مصالح صناعية واستراتيجية بين البلدين، ويمنح دفعة إنتاجية لمصنع سكونثورب المتعثر. كما يؤكد استمرار الاستثمار التركي في البنية التحتية للسكك الحديدية ضمن رؤية تحول هيكلي في قطاع النقل.

