أعاد فوز شركة مملوكة جزئياً لرجل أعمال يُعرف بعلاقته القديمة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان النقاش حول الشفافية في المناقصات العامة وآلية توزيع العقود الحكومية في تركيا.
يُسلّط هذا التطور الضوء على الاستغلال المتزايد للمادة 21/ب من قانون المشتريات العامة، التي تُستخدم لتجاوز المنافسة المفتوحة تحت ذرائع “الظروف الطارئة”، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تغلغل شبكات المصالح السياسية في الاقتصاد العام.
مناقصة بمئات الملايين لشركة “قريبة من السلطة”
وقّعت إدارة الإسكان والتنمية الحكومية التركية (TOKİ) عقداً بقيمة تقارب700 مليون ليرة تركية (نحو 17 مليون دولار) مع ائتلاف شركتين أخريين لتنفيذ مشروع إنشاء281 وحدة سكنية في محافظة تونجلي شرقي البلاد، متضمناً البنية التحتية والأعمال التجميلية للموقع.
جرت المناقصة في العشرين من فبراير الماضي ضمن إطار المادة 21/ب من قانون المشتريات العامة، وهي آلية “عطاء تفاوضي” مخصصة عادة لحالات الطوارئ أو المشاريع التي تتطلب تقنيات خاصة. إلا أن هذه المادة، وفقاً لمتابعين، تحولت في السنوات الأخيرة إلى أداة قانونية لتجاوز المنافسة العلنية ومنح العقود إلى شركات تربطها علاقات وثيقة بالحكومة.
من “مراسلات السجن” إلى عالم الأعمال
الشركة الفائزة “Har Proje Yapı” مملوكة جزئياً لرجل الأعمال بوراق صويلو، الذي اشتهر في وسائل الإعلام التركية قبل أعوام بصفته الطفل الذي راسل أردوغان أثناء سجنه عام 1999.
في تلك الفترة، كان أردوغان يقضي عقوبة بالسجن في سجن بينار حصار بمحافظة كيركلارلي بعد إدانته بـ”التحريض على الكراهية” عقب إلقائه قصيدة في تجمع عام، ما أدى إلى منعه مؤقتاً من العمل السياسي. وقد تلقى صويلو – وكان حينها في الحادية عشرة من عمره – رسالة بخط يد أردوغان عبّر فيها الأخير عن امتنانه، وكتب: “أخي العزيز، أشكرك على مشاعرك الطيبة. أرسل لك تحياتي القلبية من سجن بينار حصار، حيث نُعدّ أنفسنا لمواصلة الخدمة من حيث توقفنا.”
بعد رفع الحظر السياسي عن أردوغان عام 2001 وتأسيسه حزب العدالة والتنمية (AKP)، أصبح صويلو لاحقاً محامياً ورجل أعمال، ورافق الرئيس التركي في عدد من الرحلات الخارجية، بينما أدرجت تقارير اقتصادية بنوكاً مملوكة للدولة وشركة “توركسل” للاتصالات ضمن عملائه.
تبريرات قانونية واتهامات بالتضليل
وفي تصريح صحفي، قال بوراق صويلو إن مشاركته في مناقصة TOKİ جاءت نيابةً عن شركة أخرى لم تكن تستوفي معايير التقدم للعطاء، مؤكداً أن شركته لا تنفذ المشروع بشكل مباشر. إلا أن هذا التوضيح لم يُقنع المراقبين، الذين اعتبروا أن شبكة المصالح بين رجال الأعمال المقربين من السلطة والمؤسسات العامة باتت تشكل تهديداً للبنية التنافسية في السوق التركية.
المادة 21/ب: ثغرة قانونية تتسع
تُعد المادة 21/ب من أكثر المواد إثارة للجدل في قانون المشتريات العامة التركي، إذ تتيح منح العقود الحكومية عبر التفاوض المباشر دون مناقصة مفتوحة، بحجة الحاجة إلى سرعة التنفيذ أو وجود ظروف تقنية خاصة.
لكن هذه المادة أصبحت، بحسب مراقبين، أداة بيد الحكومة لتوجيه العقود المربحة نحو الشركات الموالية أو القريبة من حزب العدالة والتنمية، ما أدى إلى انكماش الشفافية وتآكل الثقة في نظام المشتريات العامة.
ويُضاف هذا العقد الأخير إلى سلسلة من المشاريع الحكومية الضخمة التي مُنحت خلال السنوات الأخيرة إلى رجال أعمال معروفين بقربهم من السلطة، ما يعزز اتهامات المحسوبية والتمييز في توزيع الموارد العامة.
سياق سياسي واقتصادي أوسع
تأتي هذه القضية في وقت تواجه فيه الحكومة التركية انتقادات متصاعدة حول سياسات الإنفاق العام والرقابة المؤسسية، وسط أزمة اقتصادية مستمرة تتجلى في تراجع الليرة التركية وارتفاع معدلات التضخم.
ويرى خبراء أن توسع دائرة الشركات المرتبطة بالسلطة في السيطرة على العقود الحكومية يخلق ما يشبه “الاقتصاد الموازي السياسي”، حيث تُستخدم الاستثمارات العامة كوسيلة لتعزيز الولاء بدلاً من التنمية الإنتاجية.

