دخلت سوريا مرحلة مفصلية جديدة عقب الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار ودمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة، وهو تطور لم يأت بوصفه تسوية سياسية معزولة، بل كنتيجة مباشرة لتحول عميق في موازين القوة فرضته العمليات العسكرية التي نفذها الجيش السوري في الشرق والشمال الشرقي من البلاد. هذا التحول أعاد الاعتبار لمفهوم الدولة المركزية، وأطلق مسارًا سياسيًا موازيًا هدفه تثبيت النتائج الميدانية وتحويلها إلى واقع إقليمي ودولي معترف به.
الاتصالات الرئاسية: دبلوماسية ما بعد الحسم
في أعقاب الاتفاق، أطلق الرئيس السوري أحمد الشرع سلسلة اتصالات رفيعة المستوى مع قادة إقليميين ودوليين، في تحرك دبلوماسي مكثف يعكس انتقال دمشق من مرحلة فرض السيطرة بالقوة إلى مرحلة إدارة ما بعد الصراع.
هذه الاتصالات لم تكن بروتوكولية، بل حملت رسائل سياسية دقيقة، تمحورت حول طمأنة الشركاء، وتوسيع الغطاء السياسي للاتفاق، وتقديمه بوصفه مدخلًا لاستعادة وحدة البلاد وإطلاق مسار التعافي.
الخليج يعود إلى دمشق: استقرار سوريا كأولوية إقليمية
على المستوى الخليجي، برز الاتصال مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بوصفه مؤشرًا على إعادة إدماج سوريا تدريجيًا في محيطها العربي. التركيز على العلاقات الثنائية والمستجدات الإقليمية يعكس إدراكًا سعوديًا بأن استقرار سوريا عنصر أساسي في معادلات أمن المنطقة، وأن الاتفاق مع قسد يحدّ من مخاطر التفكك والفوضى العابرة للحدود.
كما أن الانفتاح السعودي حمل في طياته استعدادًا لدعم مسار سياسي يكرّس وحدة الدولة، شريطة قدرتها على فرض سيادتها فعليًا.
وفي الاتجاه ذاته، حمل الاتصال مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني دلالات سياسية واقتصادية. والتأكيد المشترك على وحدة سوريا وسيادتها وتعافيها يعكس تقاطعًا في الرؤية حول ضرورة الانتقال إلى مرحلة ما بعد الصراع، ويفتح الباب أمام دور قطري أكبر في ملفات الإغاثة وإعادة الإعمار، خصوصًا في المناطق التي شهدت تعقيدات عسكرية وإدارية طويلة.
أوروبا والهاجس الاستراتيجي: وحدة سوريا أولًا
أوروبيًا، شكّل التواصل مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون محاولة واضحة لتوسيع الغطاء الدولي للاتفاق. والتشديد على وحدة الأراضي السورية ورفض النزعات الانفصالية ينسجم مع المخاوف الأوروبية من تداعيات أي تفكك سوري على أمن المتوسط وملف الهجرة. كما أن الحديث عن تسريع إعادة الإعمار وتهيئة بيئة اقتصادية مستقرة يعكس استعدادًا فرنسيًا مشروطًا للانخراط في مرحلة البناء، يرتبط باستقرار الوضع الأمني وتماسك مؤسسات الدولة.
البعد الكردي الإقليمي: رسائل تطمين مزدوجة
في السياق الكردي، اكتسب الاتصال مع مسعود بارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق، أهمية خاصة. وإشادة بارزاني بالمرسوم الرئاسي الذي يكرّس حقوق وخصوصيات الكرد في سوريا عكست محاولة دمشق توجيه رسائل متوازية: رسالة داخلية للمكون الكردي السوري بأن الاندماج لا يعني إلغاء الهوية، ورسالة إقليمية بأن الحل السوري يقوم على الشراكة ضمن الدولة الموحدة، لا على مشاريع انفصالية. كما استهدف هذا التواصل تحييد أي ارتدادات إقليمية محتملة في ظل تشابك الملفات الكردية عبر الحدود.
من الإدارة الموازية إلى استعادة السيادة
على الأرض، مثّل الاتفاق تحولًا جذريًا في بنية السيطرة على شرق الفرات. دمج المؤسسات المدنية ضمن أجهزة الدولة، ودمج مقاتلي قسد كأفراد في وزارة الدفاع، وإعادة المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز إلى سيطرة الحكومة، أعاد للدولة أدواتها السيادية الأساسية. وتوّج هذا المسار بتسليم محافظتي دير الزور والرقة إداريًا وعسكريًا، ما أنهى عمليًا مرحلة الإدارة الموازية التي استمرت لسنوات.
الطريق إلى المواجهة: فشل التفاهم السابق
لم يكن هذا التحول وليد اللحظة، بل جاء بعد إخفاق اتفاق سابق أُبرم في مارس، نص على احترام الحقوق الثقافية للكرد ضمن المواطنة المتساوية، ودمج المؤسسات، وإعادة فتح المعابر والمطار وحقول الطاقة، وانسحاب قسد من حلب إلى شرق الفرات.
وبحسب الرواية الرسمية، أدى تنصل قسد من تنفيذ هذه البنود إلى تآكل الثقة وفتح الباب أمام الخيار العسكري، الذي أعاد رسم الخريطة الميدانية وفرض شروطًا جديدة للتفاوض.
انهيار نموذج قسد وتأثيره على الأقليات
الانتصارات العسكرية التي حققها الجيش السوري في مواجهة قسد أحدثت صدمة واسعة داخل أوساط أقليات أخرى كانت تراهن على ضعف السلطة المركزية. قسد، بوصفها الذراع العسكرية للإدارة الذاتية الكردية التي طالبت بفدرالية، شكّلت نموذجًا استلهمته بعض الزعامات الدرزية والعلوية للضغط باتجاه مشاريع انفصالية أو لا مركزية. غير أن الحسم العسكري في غرب وشرق الفرات أظهر قدرة الحكومة على قطع الطريق أمام أي أجندات تفتيتية.
السويداء والساحل: مشاريع مؤجلة
في الجنوب، برز تيار انفصالي داخل المكون الدرزي قاده شيخ العقل حكمت الهجري، الذي أسس تشكيلًا مسلحًا في السويداء وأعلن رغبته في إقامة إقليم مستقل. وفي الساحل، تصاعدت مطالب فدرالية داخل بعض الأوساط العلوية، قادها رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، مستندة إلى أحداث دامية شهدتها المنطقة. غير أن التطورات الميدانية الأخيرة أعادت خلط الأوراق، ودفعت هذه التيارات إلى مراجعة حساباتها.
الانسحابات المفاجئة: ما وراء الكواليس
ميدانيًا، سيطرت القوات الحكومية على مواقع استراتيجية أبرزها حقل العمر، أكبر حقول النفط في البلاد، بعد انسحابات مفاجئة لقسد من شرق دير الزور والطبقة وسد الفرات. هذه الانسحابات، التي جاءت عقب اجتماع ضم مسؤولين أميركيين وأكرادًا في أربيل، عززت فرضية وجود تفاهم غير معلن برعاية واشنطن، رغم نفي الإدارة الذاتية تلقيها خارطة طريق واضحة لوقف النار. وبرزت انقسامات داخل صفوف قسد حول هذا المسار، في وقت طالبت فيه قياداتها بتدخل أميركي أوسع لوقف الهجوم السوري.
المرسوم الرئاسي: محاولة لاحتواء ما بعد الصدام
في خضم التصعيد، أصدر الرئيس الشرع مرسومًا غير مسبوق منح بموجبه المكون الكردي حقوقًا أساسية، شملت الجنسية، واعتماد عيد النوروز عيدًا وطنيًا، والاعتراف باللغة الكردية لغة وطنية. ورغم الترحيب الجزئي، اعتبرت الإدارة الذاتية الخطوة غير كافية، متمسكة بمطلب دستور ديمقراطي لا مركزي، وهو طرح ترفضه دمشق بشكل قاطع.
الخلاصة
ما جرى في شرق وشمال شرق سوريا لا يمثل نهاية للصراع، بل انتقالًا إلى اختبار جديد لقدرة الدولة على إدارة الاستقرار بعد الحسم، وتحويل القوة العسكرية إلى شرعية سياسية مستدامة. نجاح هذا المسار سيُقاس بمدى تنفيذ الاتفاق، واحتواء التحديات الأمنية والاجتماعية، ومنع عودة مشاريع التفتيت تحت أي مسمى.

