يرى الكاتب والمحلل السياسي التركي سعيد صفا أن اختراق المجال الجوي التركي خلال الأسابيع الأخيرة لا يمكن عزله عن سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، مشيرًا إلى أن تكرار حوادث دخول طائرات مسيّرة يُعتقد أنها روسية أو أوكرانية إلى الأجواء التركية لم يكن حدثًا عرضيًا، بل حمل في طياته رسائل مزدوجة: اختبار جاهزية الدفاعات التركية، واستعراض غير مباشر للقوة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
ويؤكد صفا أن سقوط بعض هذه المسيّرات قرب منشآت عسكرية حساسة في محيط أنقرة، ولا سيما بالقرب من مصانع استراتيجية لإنتاج الصواريخ والمواد الدافعة، يرفع منسوب الخطورة، ويحوّل الحادث من مجرد خرق تقني إلى مؤشر أمني يستوجب القلق، خاصة في ظل ما وصفه بـ”حالة التراخي الرسمي” في التعامل مع هذه التطورات.
طائرة ليبيا: حادث عابر أم توقيت محمّل بالرسائل؟
في خضم هذه الأجواء، جاءت حادثة سقوط الطائرة الليبية التي كانت تقل رئيس الأركان الليبي وعددًا من كبار القادة العسكريين ومستشاره الأبرز، لتفتح بابًا واسعًا للتساؤلات. وبحسب تحليل سعيد صفا، فإن تزامن الحادث مع تصاعد اختبارات المجال الجوي التركي، ومع تحولات شرق المتوسط، يجعل فرضية التخريب قائمة بقوة، حتى وإن لم تُحسم رسميًا.
ويشير صفا إلى أن الطريقة التي تعاملت بها وزارة الداخلية التركية مع الحادث، عبر تقديم معلومات خاطئة حول توقيت انقطاع الاتصال ورقم ذيل الطائرة، ثم الإسراع في إعلان فرضية “الخلل الفني” قبل اتضاح أي معطيات، ساهمت عمليًا في تعميق الشكوك بدل تبديدها، معتبرًا أن هذه الارتباكات الرسمية عكست هشاشة إدارة الأزمة أكثر مما قدمت تفسيرًا مطمئنًا.
ليبيا وشرق المتوسط: الصراع الذي يتجاوز الطائرات
يضع سعيد صفا حادث الطائرة في سياق أوسع يتعلق بالصراع على شرق المتوسط، حيث تشكّل ليبيا بالنسبة لتركيا ركيزة استراتيجية في معادلة النفوذ البحري والعسكري. فالاتفاقات التركية–الليبية، وفق صفا، ليست مجرد تفاهمات ثنائية، بل أدوات لإعادة رسم موازين القوة في مواجهة محور يضم اليونان وإسرائيل وقبرص الجنوبية.
ويشير إلى أن هذه الدول، وبعد سلسلة اجتماعات متلاحقة، أطلقت رسائل سياسية وأمنية واضحة، كان أبرزها خطاب إسرائيلي حمل تهديدًا مبطنًا لتركيا وانتقادًا مباشرًا لما سُمّي “أحلام الهيمنة”. ويؤكد صفا أن طبيعة الاتفاقات المعلنة بين هذه الأطراف تتجاوز ملفات الطاقة لتشمل أبعادًا عسكرية وأمنية، ما يفسر حساسية توقيت دعوة أنقرة للقيادة العسكرية الليبية.
روسيا وإسرائيل: تشابك المصالح خلف الستار
يذهب سعيد صفا أبعد من القراءة السطحية للصراع، معتبرًا أن روسيا وإسرائيل لا يمكن فصلهما في الحسابات الإقليمية، حتى وإن لم يجلسا دائمًا على الطاولة ذاتها. ويستند في ذلك إلى تشابك شبكات المال والنفوذ، ودور رجال الأعمال ذوي الأصول اليهودية داخل المنظومة الاقتصادية الروسية، وتأثيرهم في مسارات القرار غير المعلنة.
ويرى أن قدرة إسرائيل على تنفيذ عمليات أمنية معقدة في المنطقة، بعد استهدافها المكثف لحماس وحزب الله، أظهرت مستوى عالٍ من الهيمنة الاستخباراتية، تزامن مع دعم أميركي واضح، تجلّى في الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على الجولان، ما عزز شعور تل أبيب بحرية الحركة.
تركيا وإسرائيل: صراع الخطاب وتفاهم المصالح
رغم التصعيد الكلامي المتبادل، يؤكد سعيد صفا أن احتمال اندلاع حرب مباشرة بين تركيا وإسرائيل يبقى مستبعدًا. فالعلاقة بين الطرفين، بحسب وصفه، تقوم على “اعتماد متبادل” عميق، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو في إطار شبكات الدولة العميقة.
ويشير إلى أن ارتفاع منسوب الخطاب العدائي يخدم احتياجات داخلية لدى الطرفين، بينما تستمر العلاقات التجارية في النمو بوتيرة غير مسبوقة. ويرى أن ما يجري ليس سوى “صراع بالوكالة”، تُستخدم فيه الساحات الإقليمية، لا سيما شرق المتوسط وسوريا، دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة.
سوريا: تراجع النفوذ التركي وصعود ترتيبات جديدة
في الملف السوري، يلفت سعيد صفا إلى أن المشهد يتغير على حساب أنقرة. فالتعامل الفاتر مع وزير الخارجية التركي، وقطع المؤتمر الصحفي بشكل مفاجئ بذريعة خلل تقني، شكّل رسالة سياسية واضحة، لا حادثًا بروتوكوليًا عابرًا.
ويشير إلى أن الإدارة السورية الجديدة، بدعم سعودي متزايد، تتجه نحو إعادة تموضع إقليمي، مع انفتاح محتمل على إسرائيل في المستقبل، بالتوازي مع ترتيبات جديدة تخص مناطق الإدارة الذاتية الكردية، بضمانات أميركية وفرنسية، وهي ترتيبات لا تتوافق مع الرؤية التركية التقليدية.
إدارة داخلية مأزومة: من السياسة إلى تصفية الحسابات
ينتقل صفا إلى الداخل التركي، حيث يرى أن النظام الحاكم يدير الأزمات بعقلية أمنية وانتقائية. ويشير إلى تصاعد العمليات التي تستهدف شخصيات في الإعلام والرياضة والاقتصاد، مثل إعادة توقيف رئيس نادي فنربخشة سعد الدين ساران داخل مقر ناديه، معتبرًا أن الرسالة سياسية بامتياز، تهدف إلى إخضاع الفضاء العام بالكامل لإعداد بلال أردوغان، نجل أردوغان، للخلافة السياسية.
كما ينتقد صفا بشدة تعامل السلطة مع ملف تجارة المخدرات، معتبرًا أن التركيز على صغار المتورطين وتجاهل “البارونات” الحقيقيين يكشف عن شبكة مصالح معقدة تطال السياسة والأمن والقضاء، ويحمّل المعارضة مسؤولية الصمت الطويل عن هذه الملفات.

