يؤكد الكاتب والباحث التركي سليم جول، في مقاله الأخير، أن الإنسان يعيش في حقلٍ رحب من الأسئلة الأخلاقية والمسائلات الوجودية، حيث لا يكفيه القانون ولا تعفيه المعتقدات الدينية أو الأعراف الاجتماعية من المحاكمة الأعمق: محاكمة الضمير. فالضمير، كما يصوره، ليس شعورًا غامضًا أو عاطفة طارئة، بل هو السلطة الباطنة التي تزن النيات والأفعال، وتربط الفكر بالسلوك، وتمنح الإنسان مقام “الفاعل الأخلاقي” في الكون. إنه الحَكم الصامت في أعماق النفس، القادر على رسم الحدود بين ما ينبغي وما لا ينبغي، بين صِدق الذات وزخرف التبريرات.
ماهية الضمير في فلسفة سليم جول
يعتبر جول أن الضمير هو نقطة التقاء العقل بالقلب، والعاطفة بالفكر، والحرية بالواجب. فهو ليس مجرد إدراك معرفي للخير والشر، بل تفاعل حي بين الإرادة والمسؤولية والمعنى. ويشير إلى أن الفلاسفة منذ إيمانويل كانت وحتى هنري برغسون وثوراو رأوا في الضمير البشري مبدأً كونيًا يتجاوز القوانين البشرية. وفي المدرسة الإسلامية، يوازيه ما وصفه العلامة بديع الزمان سعيد النورسي بأنه أحد أعظم دلائل التوحيد؛ لأنه يشهد في الإنسان على مصدر أخلاقي علوي لا يخضع للمصالح العابرة. إذن فالضمير – بحسب جول – نافذة على المطلق، تعكس ما في الروح من إدراك فطري للعدل والحق دون وسيط خارجي.
الضمير والتشريع: توتر بين العُرف والعدل
من أبرز محاور تحليل جول العلاقة المعقدة بين القانون والضمير. فالقانون يهدف إلى حفظ النظام، أما الضمير فيسعى إلى تجسيد العدالة. وعندما ينفصل النص القانوني عن القيم الأخلاقية، يفقد روحه ويتحول إلى أداة قسرٍ لا روح فيها. فينبه جول إلى أن الإنسان لا يختبر مسؤوليته الأخلاقية حين يطيع النظام، بل عندما يواجه نظامًا ظالمًا ويختار رفضه بوازعٍ من صوته الداخلي. ذلك أن الضمير يملأ المساحات الرمادية التي يعجز القانون عن بلوغها: المواقف الاستثنائية، وحالات الطوارئ، والمصائر الأخلاقية التي لا يُقاس فيها الصواب بعدد الشهود بل بصدق النية.
الفتوى والضمير: بين النص والاختيار
يتوقف جول طويلاً عند المقارنة بين الفتوى كإرشاد شرعي عام، والضمير كقرار فردي لا يُفوَّض. فالفتوى تُوجَّه إلى الناس، أما الضمير فيوجَّه من الإنسان إلى ذاته. الأول يضيء الطريق، الثاني يفرض المسير. ويشير جول إلى أن الفرق بينهما ليس في القيمة، بل في النطاق؛ فـ”الفتوى” تحكم الظاهر، أما “الضمير” فيحاكم الباطن. لذلك يرى أن الضمير هو الحَكَم الأخير في المواقف الأخلاقية التي لا يفي بها الاجتهاد الفقهي وحده، وأن الإنسان يظل مسؤولًا أمام الله والحق حتى إذا امتثل ظاهريًا لفتوى أو قاعدة عامة.
صراع الضمير والهوى
يصف جول هذه المعركة بأنها “الحرب الكبرى” التي تدور في سرائر الناس قبل أن تنعكس في العالم الخارجي. فالهوى يسعى دائمًا إلى تلوين الحقائق برغباته، بينما الضمير يحاول إعادة التوازن نحو الصدق والعدل. ومن يغلبه هواه، يفقد بوصلته الأخلاقية، حتى لو حافظ على صور الطاعة أو الانضباط.
يبين جول أن كل استبداد في الخارج يبدأ من هزيمة الضمير في الداخل؛ لأن الصمت عن الظلم، والتطبيع مع الباطل، ليسا سوى أعراض موت الضمير. ومن ثَمّ، فالنهضة الأخلاقية الحقيقية لا تُبنى على العقوبات، بل على إحياء الوعي الضميري الذي يجعل الإنسان رقيبًا على ذاته قبل أن يُحاسَب من غيره.
الضمير بين اللسان والقلب
يحلل جول بُعداً دقيقاً من أزمة الإنسان المعاصر: التناقض بين القول والإيمان. فعندما ينفصل اللسان عن القلب، يظهر التزييف، ويبدأ الإنسان في تبرير ما يعلم في عمقه أنه خطأ. هنا يتدخل الضمير باعتباره “صوت الصدق الداخلي” الذي يفضح التناقض بين النية والموقف، بين المبدأ والمصلحة. ومن يصمت ضميره، يعيش في سلامٍ زائف، أما من يسمعه جيداً، فهو يعيش صراعاً طاهراً يطهّر النفس من ازدواجية الخطاب. بهذه القراءة، يصبح الضمير المعيار الوحيد لوحدة الإنسان مع نفسه، وضمانة استقامة القول بالفعل.
الضمير والجمال في الفعل الإرادي
يرى جول أن أجمل صور الضمير تتجلى في الفعل الطوعي، أي حين يختار الإنسان الخير لا بدافع الخوف أو الطمع، بل بدافع النقاء الإنساني المحض. فالخير الذي يُفعل قسراً لا يرقى إلى قيمة الفعل الأخلاقي، أما الخير الذي ينبع من طواعية القلب فهو تاج الكمال الإنساني.
ومن هنا يربط جول الضمير بفلسفة “العمل الطوعي” أو “النية الحرة”، مؤكدًا أن الإنسان الحر هو من يستمد أفعاله من اقتناعه الداخلي، لا من الخضوع السلبي للأنظمة أو الجماعات.
الضمير كـ«محكمة داخلية»
يُعيد جول تأويل مفهوم «محكمة الضمير» على نحو فلسفي، فيرى أنها ليست استعارة أدبية، بل توصيف واقعي للبنية النفسية والأخلاقية في الإنسان. هذه المحكمة، المؤلفة من العقل والإرادة والعاطفة والإحساس، تُجري محاكمتها في صمتٍ لا يراه أحد، لكنها تترك أثرها في كل قرار وسلوك. ويصفها بأنها “البروفة الأخلاقية للحساب الأخروي”، أي المعاينة الدنيوية للموازين الأخروية. وهذه المحاكمة الذاتية، في رأيه، هي التي تجعل الإنسان كائنًا مسؤولاً لا يكتفي بطاعة الشكل بل يبحث عن حقيقة العدالة.
العدالة بين القانون والوجدان
يتوسع جول في شرح دور الضمير في القضاء البشري نفسه، مشيرًا إلى أن القاضي العادل لا يكتفي بتطبيق النصوص، بل يوازن بين “حرف القانون” و”روحه”. حين يستعين القاضي بضميره، فإنه يعيد للقانون روحه الإنسانية. فالقانون وحده ينشئ النظام، لكن الضمير يؤسس العدالة. وفي غياب الضمير، تتحول السلطة إلى تسلط، وتغدو العدالة إجراءً تقنياً لا روح فيه.
ضمير المجتمع ومحنة القيم المقدسة
يتناول جول علاقة الضمير الجمعي بالمقدسات حين تُستخدم القيم الدينية والسياسية كوسائل للنفوذ أو السيطرة. فالضمير الحر، بحسبه، ينتفض حين تُستغل الرموز الروحية لتحقيق مكاسب دنيوية، لأن تلك الممارسات تخلّ بتوازن الثقة بين الإنسان والحق. ويرى أن حماية القداسة من التوظيف السياسي ليست فقط واجباً دينياً؛ بل مسؤولية ضميرية تتعلق بنقاء الإيمان العام وسلام المجتمع الداخلي.
حدس الضمير وقدرته الكاشفة
يشير سليم جول إلى أن الضمير ليس فقط ميزاناً للأفعال الماضية، بل يمتلك حسًّا استباقياً يكتشف الانحراف قبل وقوعه. فهو يرصد الكذب، والالتفاف، والإذلال، والمحاباة عبر إشارات داخلية لا تخطئها النفس وإن أنكرتها الظواهر. ولهذا يصفه بـ”الرادار الأخلاقي”، الذي لا يُخدَع بالمظاهر ولا ينخدع بالتصفيق الجماعي. هذا الحسّ هو جوهر ما يسمى بـ”الضمير الجمعي”؛ إذ يتحول من تجربة فردية إلى وعي اجتماعي يردّ الاعتبار للمظلومين ويكشف المنافقين.
قابلية الضمير للخطأ وإمكان تهذيبه
يقر جول بأن الضمير ليس معصوماً، لكنه قابل للتربية كما تُروض النفس على الصدق والإيثار.
فالضمير الجاهل أو الملوث بالمصالح قد يضلّ، ومن ثم يحتاج الإنسان إلى المعرفة والتأمل الديني والأخلاقي لتصويب بوصلته. ويؤكد أن تغذية الضمير بالمعرفة، والتجربة، والقيم الروحية، هي السبيل إلى نضجه واستقلاله عن الضغوط. الضمير النقي ليس فطريًا فقط، بل ثمرة مجاهدة ومراجعة دائمة للنفس، حين تتحد الإرادة بالوعي لإقامة العدل الداخلي قبل الخارجي.
سلطان الخضوع للحق
يختتم سليم جول تحليله مؤكداً أن الضمير هو المرآة الأصدق للحضور الإلهي في الإنسان، أنه دليل الفطرة ومحراب العدل الأول. قد يُخضع العالمُ الإنسانَ بالقوة، لكن الضمير هو الذي يُخضع الإنسانَ للحق. ولذلك يصفه بأنه الحاكم غير المرئي على أفعال البشر، لا سلطان له سوى سلطته المعنوية التي تعيد التوازن إلى الروح. فالقوانين تبني المدن، أما الضمائر فهي التي تحفظ إنسانية سكانها.
الخلاصة
يضع سليم جول الضمير في قلب الفلسفة الإنسانية بوصفه المرجع الأعلى للأخلاق، والحد الفاصل بين العدل والهوى، وبين النظام والكرامة الإنسانية. إنه الثورة الصامتة التي تُقاس بها حضارة الأمم قبل قوانينها.

