عاد الجدل التاريخي حول موقع الدين في الدولة التركية إلى الواجهة بعد صدور بيان بعنوان “ندافع عن العلمانية معًا”، وقّعه 168 شخصية عامة من كتّاب وفنانين وأكاديميين وصحافيين وممثلي هيئات مهنية، قبل أن يتحول إلى حملة توقيعات مفتوحة عبر الإنترنت حصدت آلاف المؤيدين خلال وقت قصير.
البيان، الذي تزامن نشره مع الذكرى المئوية لاعتماد القانون المدني في تركيا، أثار ردًا مباشرًا من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي اتهم موقّعيه بمحاولة تأجيج الانقسام المجتمعي خلال شهر رمضان.
مضمون البيان: تحذير من “حصار رجعي” ومخاوف من تقويض الأسس الجمهورية
البيان يقدّم قراءة نقدية حادة للواقع السياسي والقانوني الراهن في تركيا، معتبرًا أن البلاد تواجه ما وصفه بـ“حصار رجعي مؤيد للشريعة”، وأنها تتعرض لضغوط تدفع نحو “طالبنة” النظام العام. كما يربط هذه التحولات بما سماه مخططات تقودها الولايات المتحدة، مذكّرًا باسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومشيرًا إلى إسرائيل في سياق الاتهام بتأثيرات خارجية.
ويركّز النص على أن السياسات الحكومية الأخيرة أضعفت التعليم العلماني والنظام القانوني المدني والحياة العامة ذات الطابع العلماني، معتبرًا أن المدافعين عن الجمهورية العلمانية باتوا يُعامَلون كأنهم مجرمون. ويستحضر البيان رمزية القانون المدني الذي اعتُمد في عشرينيات القرن الماضي، بوصفه نقطة تحول نقل تنظيم شؤون الأسرة والأحوال الشخصية من المرجعية الدينية إلى الإطار القانوني المدني المستند إلى نماذج أوروبية.
رد أردوغان: لا أزمة علمانية في البلاد
الرئيس أردوغان رد على البيان خلال اجتماع في أنقرة ضم ولاة المحافظات التركية الواحدة والثمانين، مؤكدًا أن تركيا لا تعاني من “مشكلة علمانية”، ومتهمًا القائمين على البيان بالسعي إلى إثارة الاستقطاب المجتمعي في فترة حساسة دينيًا.
ويعكس هذا الرد استمرار خطاب السلطة الذي يرى أن النقاشات حول العلمانية تُستخدم أحيانًا كأداة سياسية لإحياء انقسامات قديمة، فيما يؤكد أن النظام القائم لا يمسّ الأساس الدستوري للبلاد.
خلفية تاريخية: علمانية تركية بنموذج مختلف
تعود جذور هذا السجال إلى تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، حين أُرسي مبدأ العلمانية كأحد مرتكزات الدولة الحديثة، ثم جرى تكريسه دستوريًا في عام 1926 بالتزامن مع اعتماد القانون المدني المستوحى من التجارب الأوروبية.
غير أن النموذج التركي للعلمانية لا يطابق مفهوم الفصل الصارم بين الدين والدولة كما في الولايات المتحدة. فالدولة التركية تنظم جانبًا واسعًا من الحياة الدينية السنية عبر مؤسسة رسمية هي مديرية الشؤون الدينية، التي تشرف على المساجد وتصدر الإرشادات الدينية. ويرى منتقدون أن هذه البنية المؤسسية تتيح للحكومات التأثير في المجال الديني العام بدل فصله عن الدولة بشكل كامل.
حزب العدالة والتنمية بين سرديتين متعارضتين
منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، تكرّس انقسام واضح في قراءة العلاقة بين الدين والدولة. الحزب يؤكد أن سياساته صحّحت ما يعتبره قيودًا سابقة فُرضت على المتدينين المحافظين في مؤسسات الدولة والجامعات والحياة العامة.
في المقابل، يرى معارضوه أن المرحلة الحالية شهدت توسعًا ملحوظًا لدور الدين في المناهج التعليمية والمؤسسات العامة، بما يشكل، وفق تعبيرهم، تراجعًا تدريجيًا عن الأسس العلمانية التي قامت عليها الجمهورية. ويعكس البيان الأخير هذه الرؤية النقدية، إذ يصوّر السياسات الراهنة باعتبارها تقويضًا ممنهجًا للمكتسبات العلمانية التاريخية.
الموقعون والحملة الإلكترونية
ضمت قائمة الموقعين الأولى أسماء بارزة في الوسط الأكاديمي والثقافي والسياسي، من بينهم الاقتصادي كوركوت بوراتاف، والمؤرخ تانر تيمور، والنائب السابق إلهان جيهانر، والروائية عائشة كولين، والممثلة مجدة أر، والصحافي تيمور سويكان.
ومع فتح باب التوقيع عبر الإنترنت، انضم آلاف المواطنين إلى الحملة، ما منح البيان بعدًا شعبيًا يتجاوز النخبة الثقافية، وأعاد النقاش حول هوية الدولة واتجاهاتها المستقبلية إلى واجهة المجال العام.
سياق راهن: احتدام النقاش في ظل توترات سياسية أوسع
يأتي هذا التطور في مناخ سياسي تشهد فيه تركيا نقاشات متصاعدة حول الإصلاحات الدستورية، ودور المؤسسات الدينية، وطبيعة المناهج التعليمية، إضافة إلى توترات داخلية مرتبطة بالحريات العامة وملفات القضاء.
وتتداخل هذه القضايا مع الاستقطاب التقليدي بين التيارات العلمانية والمحافظة، ما يجعل أي نقاش حول العلمانية يتجاوز البعد القانوني إلى سؤال أعمق يتعلق بتعريف هوية الجمهورية وحدود تدخل الدولة في المجال الديني.
خلاصة
البيان الأخير أعاد فتح ملف العلاقة بين الدين والدولة في تركيا، مجسدًا انقسامًا تاريخيًا لم يُحسم بعد. وردّ الرئاسة يؤكد أن الجدل حول العلمانية لا يزال عنصرًا محوريًا في المشهد السياسي التركي.

