في ظرف إقليمي ودولي ومحلي بالغ الحساسية، بدأ رئيس حكومة إقليم كردستان العراق، مسرور بارزاني، زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية تلبية لدعوة رسمية، في خطوة تعكس عمق الشراكة بين الجانبين، وتُعد الأولى من نوعها بهذا المستوى في عهد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
الزيارة تحمل أبعادًا استراتيجية متعددة، من ترسيخ العلاقات الثنائية إلى بحث ملفات النفط والمستحقات المالية، وسط تصاعد الخلافات بين أربيل وبغداد.
توطيد الشراكة مع واشنطن
وفقًا لتصريحات نورالدين ويسي، مدير المكتب الإعلامي ومستشار رئيس حكومة الإقليم، كما نقلتها صحيفة “العرب” اللندنية، فإن الزيارة تمثل محطة استراتيجية جديدة في مسار العلاقات مع واشنطن، وتستهدف تعزيز الشراكة الثنائية بما يخدم مصالح شعب كردستان وتطلعاته. ويتضمن جدول أعمال بارزاني لقاءات رفيعة مع كبار مسؤولي الإدارة الأميركية، وأعضاء الكونغرس، فضلًا عن عقد اجتماعات مع مراكز فكر، وشركات أمريكية في قطاع الطاقة.
ملفات حاسمة على طاولة البحث
من أبرز محاور الزيارة، مشاركة بارزاني في منتدى متخصص في الطاقة، حيث يُتوقع توقيع مذكرات تفاهم مع شركات أمريكية كبرى. الهدف المعلن: تعزيز موقع كردستان على خريطة الطاقة العالمية، وتأكيد قدرته على إدارة موارده الطبيعية وفقًا للدستور العراقي.
العلاقات مع بغداد… محور التوتر
وصف ويسي العلاقة الحالية مع بغداد بأنها تمر بمرحلة من التراجع الخطير نتيجة تنصل الحكومة الاتحادية من التزاماتها، لا سيما فيما يتعلق باتفاق “إدارة الدولة”، الذي شكل الأساس لتشكيل الحكومة الحالية. وأشار إلى أن عدم الالتزام بالبرنامج الحكومي المُصوَّت عليه برلمانيًا، يُعد نكوصًا عن مبدأ الشراكة، ويعكس استمرار العقلية المركزية في بغداد.
أزمة الرواتب والمستحقات المالية
أكد ويسي أن واحدة من أبرز نقاط الخلاف تتعلق بتأخير إرسال رواتب موظفي الإقليم، والتي تمس الحياة اليومية لكل مواطن. واعتبر أن الحكومة الاتحادية تستخدم هذه الرواتب كورقة ضغط سياسية، في تجاوز واضح للإطار الدستوري، رغم التزام الإقليم بكل ما عليه من تعهدات.
أرقام صادمة ودعاية مغرضة
وبيّن ويسي أن ما يصل فعليًا من بغداد لا يمثل سوى أقل من 5٪ من الاستحقاقات المالية للإقليم، في حين تشير المعايير السكانية والدستورية إلى أن النسبة العادلة يجب ألا تقل عن 14٪. كما اتهم بعض الجهات الإعلامية والسياسية في بغداد بشن حملات تضليل ممنهجة لتشويه صورة الإقليم، وتصويره كمستفيد على حساب محافظات الوسط والجنوب.
ملف النفط بين التجميد والتهميش
رغم الخسائر الضخمة المقدرة بمليارات الدولارات، لا تزال بغداد – بحسب ويسي – تضع العراقيل أمام استئناف تصدير نفط كردستان، في محاولة لإخراج الإقليم من معادلة الطاقة الدولية. وأوضح أن المماطلة في استئناف التصدير تأتي في إطار عقلية تسعى إلى فرض واقع سياسي واقتصادي جديد على الإقليم، تحت غطاء الضغط المالي.
الكرة في ملعب بغداد
اختتم ويسي حديثه بالتحذير من أن استمرار هذا النهج في التعامل مع الإقليم سيؤدي إلى مسارات تصعيدية غير مرغوبة، قد تهدد الاستقرار العام في العراق. ودعا الحكومة الاتحادية إلى خطوات عاجلة لإعادة بناء الثقة، مشددًا على أن إصلاح العلاقة يتطلب احترام الإطار الدستوري والإقلاع عن العقلية المركزية.
تحرك كردي استباقي
تأتي زيارة بارزاني لواشنطن ضمن تحرك دبلوماسي واسع النطاق يهدف إلى شرح وجهة نظر الإقليم للمجتمع الدولي، وتأكيد حقوقه الدستورية، وتحشيد الدعم السياسي والاقتصادي اللازم لتثبيت موقع كردستان كلاعب إقليمي مستقل ضمن عراق فيدرالي.
زيارة مفصلية ترسم ملامح المواجهة المقبلة
تحمل زيارة مسرور بارزاني إلى واشنطن أبعادًا استراتيجية ومعنوية بالغة الأهمية، في ظل اتساع هوة الخلاف مع بغداد. هي ليست فقط رسالة إلى الداخل العراقي، بل إلى المجتمع الدولي مفادها: الإقليم لن يقبل التهميش بعد الآن، ولن يتنازل عن حقوقه الدستورية.

