أثارت زيارة وفد قضائي تركي رفيع المستوى إلى مدينة ستراسبورغ للمشاركة في افتتاح السنة القضائية للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان موجة انتقادات واسعة في الأوساط القانونية والإعلامية، ليس بسبب الزيارة بحد ذاتها، بل بسبب التناقض الصارخ بينها وبين سجل تركيا المتعثر في تنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية، التي تُعد المرجعية القضائية العليا في منظومة حقوق الإنسان الأوروبية.
فالزيارة جاءت في وقت تحتل فيه تركيا المرتبة الأولى من حيث عدد القضايا المنظورة أمام المحكمة، كما تتصدر قائمة الدول التي لم تنفذ آلاف الأحكام الصادرة بحقها، ما أعاد إلى الواجهة أزمة الامتثال القضائي، وحدود التزام أنقرة بتعهداتها الدولية.
وفد رفيع في توقيت حساس
ضم الوفد القضائي التركي شخصيات بارزة تمثل قمة الهرم القضائي في البلاد، بينهم رئيس المحكمة الدستورية، ورئيس محكمة التمييز، والمدعي العام لمحكمة التمييز، والمدعي العام لمجلس الدولة، إلى جانب الأمين العام للمحكمة الدستورية. وقد شملت الزيارة لقاءات رسمية مع رئيس المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والقاضية التركية في المحكمة، إضافة إلى المندوبة الدائمة لتركيا لدى مجلس أوروبا.
من الناحية البروتوكولية، بدت الزيارة طبيعية في إطار العلاقات المؤسسية بين أنقرة والمنظومة الأوروبية، غير أن رمزيتها السياسية والقانونية بدت إشكالية، في ظل واقع قضائي داخلي يتسم بتعليق تنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية، بل وأحيانًا تجاهل قرارات المحكمة الدستورية التركية نفسها.
أرقام تكشف عمق الأزمة
بحسب البيانات المتداولة داخل المحكمة الأوروبية، بلغ عدد القضايا العالقة أمامها أكثر من عشرات الآلاف، كان لتركيا النصيب الأكبر منها، مع آلاف الطلبات المقدمة ضدها، معظمها مرتبط بإجراءات الاعتقال والمحاكمات التي أعقبت محاولة الانقلاب في عام 2016.
وتشير هذه القضايا إلى نمط متكرر من الانتهاكات، يتعلق بالاحتجاز التعسفي، وانتهاك الحق في المحاكمة العادلة، وحرية التعبير، واستقلال القضاء، ما جعل ملف تركيا أحد أكثر الملفات تعقيدًا داخل المحكمة الأوروبية خلال العقد الأخير.
انتقادات حادة: رمزية بلا مضمون؟
الزيارة لم تمر مرور الكرام داخل تركيا. فقد اعتبر قانونيون واقتصاديون وناشطون أن المشاركة في مراسم احتفالية داخل المحكمة الأوروبية، بينما تبقى آلاف الأحكام غير منفذة، تفرغ الزيارة من أي مضمون قانوني حقيقي.
وذهب بعض المنتقدين إلى وصف الزيارة بأنها استعراض بروتوكولي على حساب المال العام، ما لم تكن مصحوبة بإرادة سياسية وقضائية حقيقية لمعالجة جوهر الأزمة، أي تنفيذ الأحكام واحترام مبدأ سمو القانون الدولي لحقوق الإنسان.
قضايا رمزية تعرّي المعضلة
برزت قضيتا عثمان كافالا وجان أتالاي بوصفهما المثالين الأكثر دلالة على عمق المأزق القضائي. فكافالا، المعتقل منذ سنوات، يقضي حكمًا بالسجن المؤبد رغم صدور قرار واضح من المحكمة الأوروبية يطالب بالإفراج عنه، وهو قرار لم يُنفذ حتى اليوم، رغم بدء مجلس أوروبا إجراءات قانونية ضد أنقرة بسبب هذا الامتناع.
أما أتالاي، النائب البرلماني المنتخب، فقد جرى تثبيت حكم سجنه، وتجاهُل قرارين صادرين عن المحكمة الدستورية يقضيان بإطلاق سراحه، قبل أن تُسحب عضويته البرلمانية، في خطوة اعتبرها كثيرون تكريسًا لتغليب القضاء الأعلى على الدستور نفسه.
تصدّع هرم السلطة القضائية
يرى منتقدون أن الأزمة لم تعد محصورة في العلاقة بين تركيا والمحكمة الأوروبية، بل باتت تعكس تصدعًا داخليًا في هرم السلطة القضائية. فالمحكمة الدستورية لا تُنفذ أحكام المحكمة الأوروبية، ومحكمة التمييز لا تلتزم بقرارات المحكمة الدستورية، فيما تتجاهل السلطة السياسية في حالات عدة قرارات أعلى الهيئات القضائية.
هذا التسلسل في عدم الاعتراف المتبادل بالسلطات القضائية، بحسب محللين، يشير إلى أزمة بنيوية تمس مبدأ الفصل بين السلطات، وتحوّل القضاء من سلطة مستقلة إلى ساحة صراع بين مراكز نفوذ متداخلة.
مجلس أوروبا يحذر
في هذا السياق، جاءت تصريحات رئيسة الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا لتضيف بعدًا سياسيًا جديدًا للجدل، إذ تحدثت صراحة عن غياب التنسيق بين المحاكم العليا في تركيا، ووصفت الوضع بـ«الانسداد غير المبرر»، مؤكدة أن الحل لا يمكن أن يكون قضائيًا فقط، بل يتطلب تدخلًا تشريعيًا يعيد ضبط العلاقة بين السلطات.
ما بعد الانقلاب: الجذر العميق للأزمة
لا يمكن فصل هذا المشهد عن تداعيات ما بعد عام 2016، حيث أدت الإجراءات الاستثنائية التي أعقبت محاولة الانقلاب إلى إعادة تشكيل عميقة لمؤسسات الدولة، ولا سيما القضاء. فقد طالت الاعتقالات والمحاكمات آلاف القضاة والعسكريين والأكاديميين والصحفيين، وغالبية القضايا المعروضة أمام المحكمة الأوروبية تعود إلى تلك المرحلة.
ورغم نفي الحركة المتهمة بالوقوف وراء الانقلاب لأي صلة بالأحداث، لا تزال تلك الاتهامات تشكل الإطار القانوني والسياسي الذي تُدار ضمنه ملفات قضائية شديدة الحساسية.
زيارة تعكس المفارقة
بهذا المعنى، تحولت زيارة القضاة الأتراك إلى ستراسبورغ من حدث بروتوكولي إلى مرآة تعكس مفارقة صارخة: مشاركة نشطة في المنصات القضائية الأوروبية، مقابل تآكل فعلي للالتزام بأحكامها داخل البلاد.
وهي مفارقة تطرح سؤالًا جوهريًا حول ما إذا كانت تركيا تسعى إلى ترميم صورتها الدولية دون معالجة جوهر الأزمة، أم أن الزيارة تمثل محاولة متأخرة لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة في ظل ضغوط متزايدة.
خلاصة
تكشف زيارة القضاة الأتراك إلى المحكمة الأوروبية عن فجوة عميقة بين الخطاب القضائي الخارجي والممارسة الداخلية. فبينما تحافظ أنقرة على حضورها المؤسسي في أوروبا، لا تزال أزمة تنفيذ الأحكام تهدد مصداقية منظومتها القضائية وتضع التزاماتها الدولية موضع تساؤل.

