تستعد أنقرة لاستقبال البابا ليو الرابع عشر في أول رحلة خارجية منذ تولّيه السدة البابوية في مايو الماضي، في جولة تحمل دلالات سياسية ودينية واسعة، وتمتد لاحقاً إلى لبنان الذي يواجه وضعاً هشّاً في ظل التوترات والمواجهات الأخيرة. وتأتي هذه الزيارة وسط مشهد إقليمي متشابك، وتحت مجهر إعلامي كثيف يرافق كل خطوة للبابا الأمريكي الجديد.
البابا في أنقرة: رسائل دقيقة في فضاء سياسي متوتر
يصل البابا إلى العاصمة التركية في منتصف اليوم لإلقاء خطاب أمام السلطات والمجتمع المدني والسلك الدبلوماسي، قبل أن ينتقل مساءً إلى إسطنبول لاستكمال جدول الزيارة. ويرافقه وفد إعلامي ضخم يضم عشرات الصحفيين، في مؤشر على حجم الاهتمام العالمي بكل ما سيصدر عنه خلال جولته الأولى.
لغة الخطاب ورهانات الانفتاح
اختار ليو الرابع عشر أن تكون جميع خطاباته باللغة الإنجليزية، على خلاف النهج التقليدي باستخدام الإيطالية، في خطوة تُقرأ على أنها رغبة في مخاطبة جمهور دولي أوسع، خصوصاً في منطقة تتقاطع فيها القضايا الدينية والسياسية على نحو حساس.
الحوار مع الإسلام: خطوة مركزية في بلد ذي غالبية مسلمة
تُعد تركيا واحدة من الدول التي تتعايش فيها الأقليات المسيحية ضمن بيئة ذات أغلبية سنية، ما يجعل خطاب البابا حول الحوار مع الإسلام محورياً في هذه الزيارة. ومن المتوقع أن يتناول ملفات تخص الحضور المسيحي المحدود، ومسألة التعايش الديني، والمسائل المتعلقة بالمساواة والتمثيل.
ملفات حساسة: حقوق الإنسان والواقع السياسي
زيارة البابا للقصر الرئاسي الضخم في أنقرة تُلقي عليه عبئاً دبلوماسياً كبيراً، خصوصاً إذا تطرّق إلى قضايا حقوق الإنسان، أو حملات الاعتقال التي طالت معارضي الحكومة، أو أوضاع المسيحيين، وهي موضوعات تُعد شائكة في السياق التركي الداخلي.
التوازن بين الانتقاد والانخراط: علاقة معقّدة مع أنقرة
رغم التحولات التي شهدتها تركيا خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك إعادة تحويل آيا صوفيا إلى مسجد، فإن الفاتيكان ما يزال حريصاً على الحفاظ على قناة حوار مفتوحة مع أنقرة، بالنظر إلى دورها الإقليمي ودورها في ملفات اللاجئين والسلام.
ملف اللاجئين: اعتراف وتقدير
يُدرك الفاتيكان، كما تشير مواقف البابا السابقة، حجم الاستضافة التركية للاجئين السوريين، وهو ملف يحظى باهتمام كبير داخل الكنيسة الكاثوليكية، خصوصاً مع استمرار البابا في انتقاد السياسات الدولية التي تتعامل مع المهاجرين بصرامة.
البعد الرمزي: زيارة ضريح أتاتورك
ضمن برنامج الزيارة، يتوجه ليو الرابع عشر إلى ضريح مصطفى كمال أتاتورك، في خطوة تؤكد احترام البابا لميراث الدولة التركية الحديثة، وتعكس رغبة في إرسال إشارات إيجابية للمؤسسات العلمانية في البلاد.
البعد الديني: إحياء ذكرى مجمع نيقية في إزنيق
تنتقل الزيارة إلى إزنيق لإحياء الذكرى السبعمئة بعد الألف لأول مجمع كنسي عالمي، وهو حدث محوري في تاريخ العقيدة المسيحية. ويشارك البابا في صلاة مشتركة دعا إليها بطريرك القسطنطينية برثلماوس الأول.
الوحدة المسيحية: محاولة جديدة رغم الانقسام
يؤكد البابا أن اللقاء مع برثلماوس يمثل فرصة لتعزيز التقارب بين الكنائس، رغم الانقسام التاريخي منذ القرن الحادي عشر، ورغم تفاقم الخلافات داخل العالم الأرثوذكسي ذاته نتيجة الحرب في أوكرانيا وما خلّفته من توترات بين بطريركيتي موسكو والقسطنطينية.
إلى لبنان: محطة تتجاوز الطابع الروحي
على أبواب الأسبوع الجديد، ينتقل البابا إلى لبنان، البلد الذي يعيش أزمة اقتصادية وسياسية عميقة منذ سنوات، ويشهد تصعيداً عسكرياً متقطعاً على حدوده الجنوبية. وتأتي زيارته كرسالة تضامن مع هذا البلد المتعدد الطوائف الذي يعاني من انهيار مالي وضغط أمني متسارع، خصوصاً بعد القصف الإسرائيلي الأخير رغم وقف إطلاق النار المعلن.

