يشرع البابا ليو الرابع عشر في أولى رحلاته الخارجية منذ انتخابه في أيار الماضي، متوجهاً إلى تركيا ولبنان في جولة تستمر ستة أيام تحمل دلالات لاهوتية وسياسية في آن واحد، وسط مناخ إقليمي متوتر وتصاعد الأزمات في الشرق الأوسط.
تأتي الزيارة لتشكّل الاختبار الدولي الأول للبابا الأمريكي، المعروف بأسلوبه الهادئ والمتّزن مقارنة بسلفه الراحل فرنسيس.
الاحتفاء بذكرى مجمع نيقية وتعزيز الحوار مع العالم الإسلامي
يزور البابا تركيا في مناسبة مهمة بالنسبة للكنائس المسيحية، حيث يشارك في إحياء الذكرى الـ1700 لمجمع نيقية، الحدث المؤسس لصياغة قانون الإيمان المسيحي. وقد جاءت دعوة الحضور من بطريرك القسطنطينية برثلماوس الأول، بما يعكس رغبة أرثوذكسية في تعزيز مسارات الحوار مع الكرسي الرسولي.
ورغم أن الزيارة لا تشغل حيّزاً واسعاً في الرأي العام التركي بحكم أن المسيحيين لا يتجاوزون نسبة ضئيلة من السكان، إلا أنها تحمل أهمية رمزية في بلد يشكّل نقطة التقاء بين الشرق والغرب، ويعيد البابا من خلالها فتح ملف العلاقات الإسلامية–المسيحية من بوابة الاحترام المتبادل.
لقاءات سياسية ودينية بارزة
سيجتمع البابا بالرئيس رجب طيب أردوغان في أنقرة، قبل أن يتوجه إلى إسطنبول لزيارة الجامع الأزرق، في إشارة واعية إلى الالتزام بخطاب التقارب بين الأديان. وعلى ضفاف بحيرة إزنيق (نيقية سابقاً)، يشارك رأس الكنيسة الكاثوليكية في صلاة مشتركة مع قيادات من مختلف الكنائس الأرثوذكسية.
التوتر الأرثوذكسي – الأرثوذكسي: الغائب الحاضر
تُسجَّل غياباً لافتاً للبطريرك الروسي كيريل عن المناسبة، في ظل القطيعة المتصاعدة بين موسكو والقسطنطينية على خلفية حرب أوكرانيا ونزاع النفوذ داخل العالم الأرثوذكسي. ويحرص الفاتيكان، وفق مصادر دبلوماسية، على تجنب أي خطوة تُفسَّر على أنها انحياز، تجنباً لتعميق الشرخ بين الكنيستين الأكبر تمثيلاً في الشرق.
لبنان: بلد مُنهك ينتظر كلمة أمل
تكتسي زيارة البابا إلى لبنان أهمية خاصة في بلد اعتاد تقديم نفسه نموذجاً للتعددية والعيش المشترك. غير أن هذا النموذج يتعرض منذ عام 2019 لضربات قاسية، شملت الانهيار المالي والاجتماعي، وانفجار مرفأ بيروت، وامتداد الحرب مع إسرائيل إلى الجنوب اللبناني في الأشهر الأخيرة، بما حمّل السكان أعباءً إضافية.
على الطرق المؤدية إلى المواقع التي سيزورها البابا، رفعت لافتات تحمل صورته وشعار “لبنان يريد السلام”، في تعبير شعبي ورسمي عن تطلعات لالتقاط الأنفاس وسط عاصفة الأزمات.
انتظارات شعب أنهكته المتاهات السياسية
تعلّق شرائح واسعة من اللبنانيين آمالاً على أن تحمل الزيارة خطاباً صريحاً للنخبة السياسية، التي تتعرض لانتقادات شعبية ودولية بسبب الجمود المؤسساتي والفساد وسوء الإدارة. وتتعزز التوقعات بأن يدعو البابا إلى إطلاق مسار جديد نحو الاستقرار، ولو أدرك اللبنانيون مسبقاً أن الزيارة بحد ذاتها لن تُخرج البلاد من مأزقها البنيوي.
محطات روحية وشبابية ورسائل للشرق والغرب
تتضمن الجولة لقاءً موسعاً مع الشباب، وقداساً مفتوحاً يتوقع أن يجمع حشداً كبيراً، إضافة إلى صلاة في موقع انفجار المرفأ تخليداً لضحايا الكارثة. كما يُنتظر أن يستعيد البابا أمام القيادات الدينية موقع لبنان كجسر حضاري بين الشرق والغرب، في لحظة إقليمية تتزايد فيها الاصطفافات الطائفية والجيوسياسية.
دور المؤسسات الدينية في ظل الانهيار
تسلط الزيارة الضوء على الدور الذي تلعبه المؤسسات الخاصة ذات الخلفية الدينية في توفير الخدمات الأساسية، خصوصاً الصحية والتعليمية، ومنها المستشفى النفسي الذي تديره راهبات فرنسيسكان والذي سيزوره البابا خلال إقامته.
الشرق الأوسط على حافة انفجارات جديدة
تأتي الجولة البابوية فيما تستمر الحرب في غزة وتتصاعد التوترات على الجبهات المشتركة بين لبنان وإسرائيل، إضافة إلى اشتداد المواجهات في البحر الأحمر وتصاعد الصراع الأوكراني وتداعياته على الكنائس الشرقية. وتؤثر هذه الملفات جميعها على المناخ الذي يستقبل الزيارة، وتمنحها أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي.

