وصل البابا 14. ليو إلى تركيا في زيارة رسمية تركزت حول مدينة إزنيك، احتفالاً بالذكرى 1700 لمجلس إزنيك، أحد أهم الأحداث التاريخية في تطور المسيحية. وفق المحلل السياسي التركي أرقم طوفان، فإن هذه الزيارة لا تقتصر على طابع ديني أو تاريخي، بل تتقاطع مع المشهد السياسي الداخلي والخارجي لتركيا، خصوصاً في ظل عزلة البلاد على المستوى الدولي وتراجع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي.
إزنيك: رمز ديني وتاريخي
إزنيك ليست مجرد مدينة تاريخية؛ فهي الموقع الذي شهد انعقاد مجلس إزنيك الأول عام 325 ميلادية، بإشراف الإمبراطور الروماني قسطنطين، لوضع حد للخلافات اللاهوتية الكبرى حول طبيعة المسيح. هذا المجلس أسس العقيدة المعترف بها اليوم لدى معظم الطوائف المسيحية، بما في ذلك العقيدة المشتركة حول الثالوث المقدس. زيارة البابا للموقع، خاصة للكنيسة الغارقة المكتشفة عام 2014 على ضفاف بحيرة إزنيك، تحمل رمزية كبيرة للكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية، إذ تمثل مناسبة لتجديد ذكرى الوحدة التاريخية للمسيحية.
البعد السياسي: “مِلكيّة” الصورة الدبلوماسية
وفق أرقم طوفان، فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يستثمر هذه الزيارة ليس كلفتة دينية، بل كأداة دبلوماسية لإنتاج صورة إيجابية على المستوى الدولي. تركيا تواجه اليوم ضغوطاً اقتصادية وعزلة دبلوماسية، ووجود البابا على الأراضي التركية يمنح فرصة لإظهار القدرة على إدارة الشؤون الدينية والأقلية المسيحية بطريقة “معتدلة”، ويتيح للسلطة التركية الترويج لفكرة أن تركيا بلد يحترم تعدد الثقافات والأديان.
في الوقت ذاته، يرى طوفان أن زيارة البابا تشكل بالنسبة لأردوغان “مستحقاً سياسياً” وليس مجرد خيار دبلوماسي، إذ تعكس الحاجة إلى تهدئة التوترات مع الغرب وإنتاج ما أسماه “صورة مضيئة” لتركيا على الساحة الدولية، بعد سنوات من الخطاب المتشدد تجاه الاتحاد الأوروبي والكنيسة الكاثوليكية.
الرمزية والرسائل المتعددة
زيارة البابا للمكان التاريخي ليست مجرد مشهد ديني؛ فهي رسالة رمزية للعالم المسيحي بقدرة تركيا على الجمع بين الإرث الديني الإسلامي والمسيحي، وإبراز نفسها كجسر بين الحضارات. ومع ذلك، يشير طوفان إلى التناقض بين الصورة الرسمية والواقع على الأرض، مستشهداً بالخطوات الأخيرة في إدارة المواقع الدينية في تركيا.
التداعيات المحتملة على السياسة الداخلية والخارجية
زيارة البابا قد تفتح نافذة مؤقتة لأردوغان لتخفيف الانتقادات الدولية المرتبطة بحقوق الأقليات الدينية، لكنها وفق طوفان لا تعني تغييرات جوهرية في السياسات الداخلية. هي لحظة لاستعادة “الشرعية الرمزية” وإنتاج خطاب دبلوماسي معتدل، في سياق محاولة لتجاوز الانعزال الدولي وتعزيز صورة تركيا كدولة تحتفظ بإرثها الثقافي المتعدد.

