أثار السياسي التركي دوغو برينجك أمس جدلًا واسعًا بعد تصريحاته التي زعم فيها أن طائرة شحن عسكرية تركية سقطت فوق الأجواء الجورجية خلال عودتها من أذربيجان في نوفمبر الماضي، لم تسقط نتيجة خلل فني أو خطأ بشري، بل بفعل استهداف مباشر من قبل إسرائيل.
هذه الرواية، التي لم تجد طريقها إلى وسائل الإعلام التركية الرئيسية، دفعت الكاتب الصحفي والمحلل السياسي التركي أمره أوسلو إلى إعادة فحص الوقائع المحيطة بالحادثة ضمن سياق زمني وسياسي أوسع.
أوسلو الذي سبق أن عمل أستاذا في أكاديمية الشرطة بتركيا، يرى أن غياب التغطية الإعلامية، سواء في الصحف الكبرى أو القنوات المقربة من السلطة، لا يمكن اعتباره تفصيلاً عابرًا، بل مؤشر يستدعي التدقيق، خصوصًا عندما يقترن بتأخر صدور التقرير الرسمي للحادث رغم العثور على الصندوق الأسود للطائرة.
توقيت لافت: قرار بحق بنيامين نتنياهو
يضع أوسلو الحادثة ضمن إطار زمني شديد الحساسية، حيث سبقتها بأيام قليلة خطوة تركية تمثلت في إصدار قرار قضائي باعتقال نتنياهو على خلفية جرائم حرب في غزة، والفاصل الزمني القصير بين القرار وسقوط الطائرة يطرح، وفق التحليل، تساؤلات حول احتمال وجود رسالة سياسية أو عسكرية موجهة من إسرائيل إلى أنقرة.
هذا التزامن، وإن لم يشكّل دليلًا قاطعًا، يفتح الباب أمام فرضية أن الحادثة قد تكون جزءًا من تفاعل صراعي غير معلن بين الطرفين، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة آنذاك.
خلفية التوتر: غزة وصراع النفوذ
في تلك الفترة، كانت تركيا تلعب دورًا نشطًا في جهود تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بل وطرحت فكرة إرسال قوات ضمن بعثة دولية لحفظ السلام، وهو ما قوبل برفض إسرائيلي واضح.
يشير أوسلو إلى أن إسرائيل كانت ترى في وجود قوات تركية تهديدًا مباشرًا لتوازناتها الأمنية والسياسية داخل القطاع، في حين سعت أنقرة إلى تعزيز حضورها الإقليمي عبر هذا الدور.
كما أن الولايات المتحدة، في بعض الطروحات، لم تعارض فكرة مشاركة تركية، معتبرة أن الجيش التركي يتمتع بقبول نسبي لدى الفلسطينيين، ما زاد من حساسية الموقف الإسرائيلي.
فرضية “الرسالة العسكرية”
ضمن هذا السياق، يطرح أوسلو احتمال أن تكون حادثة إسقاط الطائرة – إن ثبتت فرضية الاستهداف – بمثابة رسالة ردع، مفادها أن التدخل التركي في غزة أو تصعيد المواقف ضد إسرائيل لن يمر دون ثمن. ويعزز هذا الطرح تراجع الحديث التركي لاحقًا عن إرسال قوات إلى غزة، وتحول النقاش نحو خيارات بديلة بمشاركة دول أخرى.
البعد العسكري والاستخباراتي
تتضمن المعطيات التي يستند إليها التحليل معلومات عن وجود إسرائيلي في قواعد جوية داخل أذربيجان، وتحديدًا في المنطقة التي أقلعت منها الطائرة التركية. هذا العامل يضيف، بحسب أوسلو، طبقة إضافية من التعقيد، إذ يفتح احتمال وجود قدرة عملياتية لإسرائيل في تلك المنطقة.
كما أن زعيم حزب الوطن دوغو برينجك، قرأ خلال تصريحاته من ورقة مكتوبة، ما اعتبره أوسلو مؤشرًا على اعتماده على معلومات أو وثائق، وربما على تسريبات من داخل مؤسسات الدولة، خصوصًا مع الحديث عن علاقاته بشبكات داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية.
صمت الدولة والإعلام: دلالات محتملة
يولي أوسلو أهمية خاصة لما يسميه “الصمت المنهجي” من قبل الحكومة ووسائل الإعلام المقربة منها. ففي حال كانت إسرائيل مسؤولة فعلًا، فإن الإعلان عن ذلك قد يفتح الباب أمام تصعيد خطير، وربما مواجهة مباشرة، وهو ما قد يدفع صناع القرار إلى تجنب التصعيد العلني.
وفي المقابل، لو كانت الاتهامات غير صحيحة، فإن تجاهلها بالكامل يثير تساؤلات حول أسباب عدم نفيها بشكل واضح.
توسيع دائرة الشك: حادثة ليبيا
لم تقتصر تصريحات برينجك على الطائرة القادمة من أذربيجان، بل امتدت لتشمل ادعاء إسقاط إسرائيل أيضا طائرة تقل مسؤولين عسكريين ليبيين داخل الأجواء التركية في 23 ديسمبر 2025.
يرى أوسلو أن تكرار حوادث مشابهة في فترة زمنية قصيرة يقلل من احتمال المصادفة، ويعزز فرضية وجود عمل عدائي منظم، وإن لم تتوفر أدلة قاطعة حتى الآن.
صراع داخلي وانعكاساته
يذهب التحليل إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن تصريحات برينجك قد تكون جزءًا من صراع داخل الدولة التركية نفسها، بين تيارات تميل إلى التقارب مع الناتو والغرب، وأخرى تدفع باتجاه محور روسيا–إيران.
في هذا الإطار، يمكن تفسير هذه التصريحات كمحاولة للضغط على حكومة رجب طيب أردوغان ومنعها من الانخراط في سياسات قد تُعتبر معادية لإيران أو متماهية مع الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
تطورات ميدانية موازية
يتزامن هذا الجدل مع مؤشرات على تصعيد عسكري أوسع في المنطقة، بما في ذلك تحركات أمريكية واستخدام قواعد عسكرية في تركيا، وهو ما يعزز فرضية أن المنطقة تقف على حافة مرحلة جديدة من التوترات.

