في تطور قضائي لافت يعكس التوتر القائم بين الأوساط الاقتصادية والحكومة التركية، قررت محكمة إسطنبول رفع حظر السفر المفروض على قياديين في جمعية الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك (توسياد – TÜSİAD)، على خلفية تصريحات اعتُبرت انتقادًا علنيًا للحكومة، وذلك خلال أولى جلسات محاكمتهما التي عُقدت الثلاثاء.
خلفية القضية: تصريحات واتهامات
تعود تفاصيل القضية إلى الاجتماع العام الشهري لتوسياد في 13 فبراير الماضي، حيث كسر رئيس الجمعية أورهان توران، ورئيس مجلسها الاستشاري عمر عارف آراس، صمت الجمعية الطويل تجاه ما وصفه مراقبون بـ”التراجع الديمقراطي” وتآكل دولة القانون في تركيا.
في الاجتماع، عبّر المسؤولان عن مخاوفهما من تزايد المخاطر الاقتصادية والسياسية، ووجها انتقادات لتدخل الحكومة المتزايد في القطاع الخاص، وهيمنة السلطة التنفيذية على القضاء، إلى جانب تفاقم الأوضاع الاقتصادية. كما أعربا عن قلقهما من التحقيقات القضائية المتواصلة بحق شخصيات معارضة، معتبرين أنها تزعزع الثقة الشعبية وتضر بالديمقراطية.
هذه التصريحات أثارت حفيظة الحكومة، فتم توقيفهما لفترة وجيزة أواخر فبراير، قبل أن تفرض عليهما السلطات القضائية حظر سفر وتوجه لهما اتهامات في مارس.
الاتهامات: “نشر معلومات مضللة” و”محاولة التأثير على القضاء“
النيابة العامة اتهمت توران وآراس بـ”نشر معلومات مضللة علنًا” و”محاولة التأثير على القضاء”، زاعمةً أن تصريحاتهما تقوّض ثقة الرأي العام في النظام القضائي. وطلبت أحكامًا بالسجن تتراوح بين عام و10 أشهر إلى خمس سنوات وستة أشهر لكل منهما.
في جلسة الثلاثاء، دافع المتهمان عن نفسيهما بقوة. آراس، المصرفي المخضرم البالغ من العمر 70 عامًا، قال إن تصريحاته أُخرجت من سياقها وإنه مارس حقه في التعبير عن الرأي، متحدثًا عن وقائع معلنة لا أسرار. وأضاف أن حظر السفر أضر بعمله وبالاقتصاد التركي، مطالبًا بإسقاط التهم.
من جهته، رفض توران الادعاءات الموجهة إليه، مؤكدًا أن مداخلته كانت مبنية على تقييمات اقتصادية موضوعية تنطلق من مبدأ سيادة القانون، قائلاً: “على مدى 65 عامًا، كنت أساهم في تنمية هذا البلد من خلال العمل المدني والاقتصادي”.
وقائع الجلسة: اهتمام دبلوماسي وإعلامي
شهدت الجلسة حضورًا ملحوظًا من شخصيات بارزة، بينهم أعضاء من مجلس إدارة توسياد ومسؤولون من القنصلية الألمانية في إسطنبول، فضلًا عن عدد من الصحفيين، رغم فرض المحكمة حظرًا على استخدام الهواتف المحمولة داخل القاعة.
وقد دفعت هيئة الدفاع ببطلان الاتهامات، مؤكدة أن مضمون لائحة الاتهام غامض وأن العبارات محل المساءلة القانونية قد اقتُطعت من سياقها، وطالبت بمهلة إضافية لتقديم مرافعاتها النهائية.
قرار المحكمة: تخفيف القيود وتأجيل المحاكمة
في ختام الجلسة، أصدرت المحكمة الجنائية الابتدائية الثامنة والعشرون في إسطنبول قرارًا برفع حظر السفر المفروض على توران وآراس، وأعفتهما من حضور الجلسات المقبلة، مُعلنة تأجيل المحاكمة إلى 23 سبتمبر المقبل.
السياق الأوسع: التوتر بين الحكومة والقطاع الخاص
تأتي هذه المحاكمة في سياق سياسي وقانوني مشحون، حيث تتعرض شخصيات معارضة لسلسلة من التحقيقات والاعتقالات، وسط اتهامات للحكومة باستخدام القضاء كأداة لتصفية الخصوم. في المقابل، تنفي أنقرة هذه الاتهامات وتؤكد استقلالية القضاء.
تجدر الإشارة إلى أن توسياد، التي كانت تُعتبر في مطلع الألفية صوتًا مؤثرًا في السياسة الاقتصادية التركية، تبنّت موقفًا أكثر تحفظًا منذ محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، في ظل خشية رجال الأعمال من تبعات قانونية أو اقتصادية.

