استأثر التعاون العسكري الأخير بين مصر والصين باهتمام سياسي وإعلامي واسع، بعد أن أطلقت الدولتان تدريبات جوية مشتركة تُجرى على الأراضي المصرية في الفترة الممتدة من منتصف أبريل حتى الأول من مايو، في خطوة غير مسبوقة على مستوى القوات الجوية.
وقد أثار هذا التدريب تساؤلات حول الرسائل التي ترغب القاهرة في إيصالها لحليفها التقليدي، الولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية، والتباطؤ الأميركي في تنفيذ صفقات تسليح أبرمتها مصر، مقابل استمرار تدفق الدعم العسكري الأميركي السخي إلى إسرائيل.
انزعاج مكتوم في واشنطن وقلق ظاهر في تل أبيب
المناورات الجوية، التي استقدمت الصين لأجلها خمس طائرات نقل ثقيل من طراز Y-20 وطائرة إنذار مبكر وتحكم من طراز KJ-500، تمثل تحولاً نوعياً في خريطة الشراكات الدفاعية المصرية. وقد عبرت دوائر في واشنطن عن انزعاج غير معلن من هذا التعاون، بينما أبدت جهات إسرائيلية قلقاً متزايداً من تنامي القدرات العسكرية المصرية، خصوصاً في ظل تصريحات متكررة من مسؤولين إسرائيليين تدعو إلى تقويض القدرات الدفاعية المصرية في سيناء.
خلفية تعاون ممتدة وتحولات في خريطة التسليح
لم يكن هذا أول ظهور للطائرات الصينية في الأجواء المصرية؛ إذ سبق أن شاركت مقاتلات J-10 وطائرة Y-20 في معرض مصر الدولي للطيران في سبتمبر الماضي، بدعوة من سلاح الجو المصري. ويعكس ذلك مساراً تصاعدياً في التعاون العسكري، يأتي في ظل قيود مفروضة على مشتريات السلاح من موسكو وواشنطن، وسعي مصري حثيث لتنويع مصادر السلاح منذ عام 2014.
صفقات مؤجلة ودعم غير كافٍ من واشنطن
على الرغم من إعلان الولايات المتحدة في أكتوبر الماضي الموافقة على صفقة صواريخ “ستينغر” مع مصر بقيمة 720 مليون دولار، إلى جانب استئناف تقديم مساعدات عسكرية بقيمة 1.3 مليار دولار، فإن القاهرة لا تزال غير راضية عن مستوى الدعم، خصوصاً فيما يتعلق بتحديث قدراتها الجوية. وتخضع بعض الأسلحة الأميركية المقدمة لمصر لقيود تشغيلية وصعوبات في الصيانة وقطع الغيار لأسباب سياسية، ما يدفع مصر للبحث عن بدائل أكثر مرونة وأقل تكلفة، كما في التجربة الصينية.
حسابات استراتيجية واقتصادية في التقارب مع بكين
وفقاً لتحليلات موقع “Simple Flying” الدفاعي، فإن القاهرة وجدت في بكين شريكاً دفاعياً محتملاً يوفر التكنولوجيا العسكرية بأسعار تنافسية، لا سيما في ظل تعثر التوريد الروسي واشتراطات الغرب السياسية. كما أن الصين، التي تملك استثمارات ضخمة في مصر، تسعى بدورها إلى حماية مصالحها الاستراتيجية من خلال ترسيخ وجودها العسكري في منطقة الشرق الأوسط.
البعد الجيوسياسي: بكين تقترب من “النفوذ الغربي”
انخراط الصين في تدريبات جوية مع دولة عربية ذات ثقل عسكري كمصر يوجه أيضاً رسالة إلى الولايات المتحدة، مفادها أن بكين بدأت تخترق مناطق نفوذ كانت تقليدياً حكراً على الغرب، وهو ما يعزز من معركتها الجيوسياسية المتصاعدة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تسعى إلى احتواء الصعود الصيني في المسرح العالمي.
القاهرة تسعى لتأمين قرارها السيادي
اللواء علاء عزالدين، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الأسبق في الجيش المصري، أكد لصحيفة “العرب” اللندنية أن القاهرة أعادت صياغة سياستها العسكرية خلال العقد الأخير، بهدف تنويع مصادر السلاح وتحصين القرار الوطني من الضغوط الخارجية. في السياق ذاته، شدد اللواء نبيل أبوالنجا، مؤسس وحدة “999” صاعقة، على أن التعاون مع بكين يأتي في ظل تعثر واردات السلاح من موسكو، ورفض واشنطن تسريع بعض الصفقات، ما دفع القاهرة إلى البحث عن بدائل تؤمن لها الردع الجوي المطلوب.
تعميق التعاون: نحو صفقات محتملة في الدفاع الجوي
التدريبات الجارية قد تفتح الباب لإبرام صفقات مستقبلية في مجالات الدفاع الجوي ونقل المعدات، خاصة بعد أن طوّرت الصين تقنيات متقدمة في مجال رصد الطائرات الشبحية، فضلاً عن شبكاتها البديلة لنظام تحديد المواقع العالمي “GPS”. ويتوقع مراقبون أن يركز التعاون المصري-الصيني في الفترة المقبلة على تطوير بنية الدفاع الجوي المصري، وفتح آفاق أوسع للتدريب ونقل التكنولوجيا.

