يتصاعد في الأوساط الاقتصادية التركية مطلبٌ ملحّ بإعادة هيكلة اتفاق الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي، المعمول به منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، وسط تحذيرات من أن الإبقاء عليه بصيغته الحالية، التي تقتصر على السلع الصناعية والمنتجات الزراعية المصنعة، بات يفرض كلفة تنافسية متزايدة على الاقتصاد التركي ويقيد اندماجه الكامل في السوق الأوروبية.
وفق تقرير لصحيفة “جمهوريت” التركية، قادة الأعمال يرون أن الإطار القائم لم يعد يواكب تحولات التجارة العالمية، وأن استثناء قطاعات الخدمات والزراعة الكاملة والمشتريات العامة والتجارة الرقمية من نطاق الاتفاق يجعل الشركات التركية تُعامل داخل أوروبا بوصفها كيانات من “دول ثالثة”، بما يشكل، وفق توصيفهم، حاجزاً غير مرئي يحد من قدرتها على التوسع.
أرقام النمو المحتمل: مكاسب للناتج والصادرات والاستثمار
تقديرات بحثية حديثة تشير إلى أن تحديث الاتفاق قد يرفع الناتج المحلي الإجمالي التركي بما يصل إلى اثنين ونصف في المئة، ويزيد الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة تتراوح بين خمسة عشر وخمسة وعشرين في المئة. كما أن إدخال تحسينات واسعة النطاق قد يقلص العجز التجاري مع الاتحاد الأوروبي من عشرين مليار يورو بالسالب في حال استمرار الوضع الراهن، إلى اثني عشر ونصف مليار يورو مع تحديث جزئي، وصولاً إلى ثمانية مليارات ونصف تقريباً في حال تحديث شامل.
تقييمات أوروبية سابقة قدّرت مكاسب الرفاه لتركيا بنحو اثني عشر ملياراً ونصف المليار يورو، بما يعادل زيادة في الناتج تتجاوز واحداً في المئة، مقابل مكاسب تتجاوز خمسة مليارات يورو للاتحاد الأوروبي نفسه، ما يعزز الحجة القائلة إن التحديث يحمل منفعة متبادلة.
على مستوى القطاعات، تشير التقديرات إلى أن تحرير التجارة الزراعية قد يرفع الصادرات الزراعية التركية إلى أوروبا بنحو خمسة وتسعين في المئة، بينما قد يؤدي إدراج الخدمات إلى نمو طويل الأجل في صادرات هذا القطاع يصل إلى أربعة أضعاف. كما يُتوقع أن يجذب الاقتصاد التركي استثمارات أجنبية مباشرة إضافية تتراوح بين خمسة وعشرين وخمسة وثلاثين مليار يورو خلال عقد، خاصة في مجالات الخدمات اللوجستية والتصنيع المتقدم والبنية التحتية للتجارة الرقمية.
اختلالات هيكلية: فجوة القرار وعدم تكافؤ اتفاقيات التجارة الحرة
تنتقد مراكز بحثية تصميم الاتفاق الحالي، مشيرة إلى خلل بنيوي يتمثل في حالة عدم التكافؤ عندما يوقع الاتحاد الأوروبي اتفاقية تجارة حرة مع دولة ثالثة. ففي هذه الحالة تدخل سلع تلك الدولة إلى السوق التركية معفاة من الرسوم عبر الاتحاد الجمركي، في حين لا تحصل الصادرات التركية تلقائياً على معاملة مماثلة في سوق الدولة الثالثة. وقد أُشير إلى حالات مثل المكسيك والجزائر وجنوب أفريقيا بوصفها أمثلة عملية على هذا الخلل.
كما يبرز ما يُعرف بفجوة اتخاذ القرار، إذ تلتزم تركيا بتطبيق التعرفة الخارجية المشتركة والسياسة التجارية الموحدة للاتحاد الأوروبي دون أن تمتلك حق التصويت في صياغتهما. ورغم أن آلية تشاور نصت عليها ترتيبات سابقة تسمح بمشاركة خبراء أتراك بصورة غير رسمية أثناء إعداد التشريعات الأوروبية، إلا أن تقارير أكاديمية تفيد بعدم تطبيق هذه الآلية بالشكل المنشود.
تفاوت آخر يظهر في عدد اتفاقيات التجارة الحرة، حيث تمتلك تركيا ما بين ثلاث وعشرين وأربع وعشرين اتفاقية نافذة، مقابل أربع وأربعين اتفاقية تفضيلية للاتحاد الأوروبي تغطي عشرات الشركاء، ما يضع الشركات التركية في موقع أقل تنافسية عندما توسع بروكسل شبكتها التجارية العالمية.
شكاوى القطاعات: من اللوجستيات إلى الزراعة الطازجة
القطاع اللوجستي يشتكي من قيود تتجاوز الرسوم الجمركية، أبرزها حصص النقل البري، ومتطلبات التأشيرات لسائقي الشاحنات والطيارين، وبطء إجراءات العبور. ويؤكد ممثلوه أن نحو ستين ألف شاحنة مسجلة في تركيا تدخل سنوياً إلى الاتحاد الأوروبي عبر المعابر اليونانية والبلغارية، حيث تتكرر الطوابير الطويلة التي تصل في بعض الأحيان إلى سبعة عشر كيلومتراً، مع أزمنة عبور قد تمتد إلى ثلاثين ساعة. ويطالبون بالاعتراف المتبادل بالمستندات الإلكترونية، وتبسيط الإجراءات، وتوحيد العمليات الرقمية لتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد.
في قطاع الفواكه والخضروات الطازجة، الذي بلغت صادراته قرابة ثلاثة مليارات وثمانمئة وسبعين مليون دولار في عام واحد، يذهب نحو أربعين في المئة منها إلى الاتحاد الأوروبي، تُعد التأخيرات الحدودية عاملاً حاسماً في زيادة الكلفة وفقدان الطزاجة. ويشير ممثلو القطاع إلى أن عدم القدرة على التنبؤ بكثافة الوثائق ومتطلبات الفحوص المخبرية يضع المصدرين الأتراك في وضع غير متكافئ مقارنة بمنافسيهم، مطالبين بالاعتراف المتبادل بنتائج التحاليل ودمج الأنظمة في منصات الشهادات الإلكترونية.
قادة في قطاع التجارة الخارجية يحذرون من أن اتفاقيات الاتحاد الأوروبي مع شركاء آخرين تخلّف خسائر مباشرة لتركيا، ويطالبون بحقوق متزامنة ومتكافئة في أي اتفاقيات يبرمها الاتحاد مع أطراف ثالثة، إضافة إلى إشراك أنقرة في عمليات صنع القرار ذات الصلة.
موقع تركيا في سلاسل الإمداد الأوروبية
تركيا تُعد خامس أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي، ويبلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين أكثر من مئتي مليار دولار، فيما تتجه اثنان وأربعون في المئة من الصادرات السلعية التركية إلى السوق الأوروبية، من إجمالي صادرات بلغت مئتين وثلاثة وسبعين مليار دولار، في حين وصلت صادرات الخدمات إلى أكثر من مئة وثلاثة وعشرين مليار دولار. كما أن نحو سبعين في المئة من الاستثمارات الأجنبية في تركيا مصدرها دول الاتحاد.
في ظل مساعي بروكسل لتقليص الاعتماد على الصين، تبرز تركيا كخيار “إعادة تموضع قريب” للإنتاج، خاصة بعد فرض الاتحاد الأوروبي رسوماً إضافية على السيارات الكهربائية الصينية تتجاوز ثلاثين في المئة فوق التعرفة القائمة. وقد سارعت شركات صينية، من بينها شركة كبرى لصناعة السيارات الكهربائية، إلى إنشاء مصانع في تركيا بهدف التصدير إلى أوروبا عبر الاتحاد الجمركي.
تقديرات تحليلية ترى أن تحديث الاتفاق، مترافقاً مع آليات تسوية نزاعات وضمانات، قد يفتح آفاقاً جديدة في سياق التحول الأخضر والرقمي وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد الأوروبية.
السياسة عائق مستمر: الديمقراطية وقبرص وملفات الحقوق
رغم أن المفوضية الأوروبية طلبت تفويضاً لتحديث الاتفاق منذ أواخر عام ألفين وستة عشر، فإن مجلس الاتحاد لم يعتمد توجيهات التفاوض، في ظل ربط التقدم بشروط سياسية تشمل التقارب مع السياسة الخارجية الأوروبية واحترام معايير حقوق الإنسان.
تُذكر في هذا السياق قضايا صادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، أبرزها ملف الزعيم الكردي صلاح الدين ديميرتاش المعتقل منذ عقد كامل، بوصفها مؤشرات على مستوى الامتثال. كما يشكل ملف قبرص عقبة إضافية، إذ جُمّدت فصول تفاوضية سابقة بسبب عدم توسيع نطاق الاتحاد الجمركي ليشمل جمهورية قبرص، وتحتفظ كل من قبرص واليونان بحق النقض على أي تفويض جديد.
تقارير بحثية تنتقد أيضاً مناخ حقوق الملكية بعد مصادرات أعقبت محاولة الانقلاب عام ألفين وستة عشر، مع تقديرات لقيمة الأصول المصادرة تتراوح بين عشرات المليارات من الدولارات وفق بيانات رسمية وتقديرات مستقلة، إضافة إلى ملاحظات بشأن شفافية نظام المشتريات العامة ونموذج تقاسم الإيرادات في مشاريع الإسكان والبنية التحتية.
إشارات انفتاح حذر: حوار تجاري متجدد
على الرغم من الجمود الذي أعلنه مجلس الشؤون العامة الأوروبي قبل سنوات، بدأت مؤشرات إعادة الانخراط بالظهور، مع إطلاق حوار رفيع المستوى حول التجارة في بروكسل منتصف عام ألفين وأربعة وعشرين، تلاه لقاء في أنقرة جمع مفوضة التوسّع الأوروبية بوزير الخارجية التركي، حيث عبّر الطرفان عن رغبة مشتركة في تمهيد الطريق لتحديث الاتحاد الجمركي، ورحبا بالاستئناف التدريجي لعمليات بنك الاستثمار الأوروبي في تركيا. ومع ذلك، لا تزال توجيهات التفاوض الرسمية من مجلس الاتحاد معلّقة.
جدل داخلي حول البدائل
في الداخل التركي، طُرحت أفكار لاستبدال الاتحاد الجمركي باتفاقية تجارة حرة تقليدية، إلا أن خبراء يحذرون من أن مثل هذا التحول سيُخضع الصادرات الصناعية التركية لقواعد منشأ قد تفرض رسوماً على المدخلات الأجنبية المستخدمة في الإنتاج، ما يضعف اندماج تركيا الصناعي مع أوروبا ويؤثر سلباً في ثقة المستثمرين.
ويرى بعض الاقتصاديين أن مسار تحديث الاتحاد الجمركي يرتبط عضوياً بالإصلاحات الديمقراطية وتعزيز القدرة على التنبؤ بالسياسات، معتبرين أن الاتفاق يشكل محفزاً للتكيّف الهيكلي ودفع التحول نحو منتجات وخدمات ذات قيمة مضافة أعلى، في وقت ترتبط فيه مصلحة القطاع الخاص الأوروبي أيضاً بتعزيز تنافسية القارة واستقلالها الاستراتيجي.
خلاصة
الضغط المتزايد من قطاع الأعمال التركي يعكس إدراكاً بأن صيغة الاتحاد الجمركي الحالية لم تعد كافية لاقتصاد متشابك مع أوروبا بهذا العمق. غير أن تحديث الاتفاق يظل رهينة توازن معقد بين المكاسب الاقتصادية المشتركة والاشتراطات السياسية العالقة.

