يشهد التعاون الاقتصادي بين المغرب والصين تطورًا متسارعًا يعكس متانة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، إذ تفتح الرباط آفاقًا جديدة لجذب الاستثمارات الصينية في مختلف القطاعات الإستراتيجية، مستفيدةً من موقعها الجغرافي المتميز وسياساتها الاقتصادية الطموحة.
ويأتي هذا التطور في سياق الشراكة الإستراتيجية التي أرساها العاهل المغربي الملك محمد السادس والرئيس الصيني شي جينبينغ، والتي تعززت بانضمام المغرب إلى مبادرة “الحزام والطريق”، إلى جانب عضويته في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية منذ عام 2018، ما جعله شريكًا محوريًا في المشاريع التنموية الكبرى.
مشروع صنرايز في قطاع النسيج: خطوة نوعية في التعاون الاقتصادي
في إطار هذا التعاون المتنامي، أطلقت مجموعة “صنرايز” الصينية، إحدى الشركات العالمية الرائدة في قطاع النسيج، مشروعًا استثماريًا ضخمًا في المغرب بقيمة 2.3 مليار درهم (230 مليون دولار). ويشمل المشروع إنشاء وحدتين صناعيتين في مدينتي الصخيرات وفاس، بهدف تعزيز تنافسية قطاع النسيج المغربي وترسيخ مكانته كرائد إقليمي في هذا المجال، وفقًا لرؤية الملك محمد السادس. ومن المتوقع أن يسهم المشروع في توفير 7000 فرصة عمل مباشرة و1500 فرصة غير مباشرة، ما يعكس أثره الإيجابي على سوق العمل والتنمية الاقتصادية.
وخلال إشرافه على توقيع الاتفاقية الخاصة بالمشروع، أكد رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن هذا الاستثمار يعكس ثقة المستثمرين الأجانب في البيئة الاقتصادية المغربية، كما يعزز قدرات المملكة الإنتاجية، ويدعم سلاسل التوريد المحلية، ويساهم في تقليل تكاليف الخدمات اللوجستية، بما يعزز تنافسية الشركات الوطنية وقدرتها على الانفتاح على الأسواق العالمية.
البنية التحتية والطاقة: مجالات تعاون إستراتيجي
إلى جانب قطاع النسيج، تتسع رقعة التعاون المغربي – الصيني لتشمل مشاريع البنية التحتية والطاقة. وفي هذا الإطار، أعلنت مجموعة “جينجي” الصينية المتخصصة في صناعة الصلب عن رغبتها في أن تصبح شريكًا إستراتيجيًا في مشروع خط أنابيب الغاز بين نيجيريا والمغرب، وهو المشروع الذي يهدف إلى ربط شبكات الطاقة في غرب إفريقيا بالمغرب، وتعزيز التكامل الطاقي مع أوروبا.
وأكد تشانغ يوان يوان، نائب مدير قسم التسويق الدولي في “جينجي”، أن المجموعة تخطط لتزويد المشروع بمنتجات فولاذية عالية الجودة ضرورية لإنجاز هذه البنية التحتية، التي تحظى بدعم كل من الحكومتين المغربية والنيجيرية وشركائهما.
الشراكة الصينية – المغربية في السياق الإفريقي
يأتي هذا التعاون في إطار رؤية المغرب لتعزيز دوره الإقليمي، حيث يُعد بوابة رئيسية للاستثمارات الصينية في القارة الإفريقية، خاصة في غرب ووسط إفريقيا. وقد أكد السفير المغربي لدى بكين، عبد القادر الأنصاري، أن العلاقات المغربية – الصينية تشهد نموًا ملحوظًا، مع تزايد حضور الشركات الصينية في مجالات السيارات والطاقة المتجددة والبنية التحتية، مشيرًا إلى أن هناك حوارًا دبلوماسيًا مستمرًا بين البلدين يعكس تقارب وجهات النظر حول القضايا الإستراتيجية.
التوسع في النقل الجوي وتعزيز التواصل الثقافي
في إطار تعزيز الروابط الاقتصادية والسياحية، تخطط الحكومة المغربية لإطلاق رحلات جوية مباشرة بين الدار البيضاء وكل من بكين وشنغهاي، مما سيعزز التواصل التجاري والاستثماري بين البلدين. كما يمتد التعاون ليشمل مجالات التعليم والتكنولوجيا والتبادل الثقافي، ما يجعل من الشراكة الثنائية نموذجًا متكاملًا للتعاون متعدد الأبعاد.
المغرب والصين: شراكة متوازنة في عالم متعدد الأقطاب
يرى الأكاديمي والخبير في الشؤون الإستراتيجية، هشام معتضد، أن الشراكة المغربية – الصينية لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تشمل أبعادًا دبلوماسية وثقافية، ما يعكس التزام البلدين ببناء علاقة طويلة الأمد تتجاوز المصالح الآنية. ويؤكد معتضد أن المغرب، من خلال هذه الشراكة، يعزز موقعه كلاعب إقليمي ودولي قادر على تحقيق توازن بين علاقاته مع القوى الكبرى، في ظل المنافسة المتزايدة بين الصين والغرب على النفوذ الاقتصادي.
وفي هذا السياق، أعرب الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال زيارته الأخيرة إلى الرباط عن استعداد بلاده لتعزيز الشراكة الإستراتيجية مع المغرب، ودعم مصالحه الأساسية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
يُجسد التعاون المتنامي بين المغرب والصين نموذجًا فريدًا في العلاقات الدولية، حيث لا يقتصر على الاستثمار الاقتصادي، بل يمتد إلى مجالات الدبلوماسية، والثقافة، والبنية التحتية، والطاقة. ومع استمرار هذه الديناميكية، يرسّخ المغرب مكانته كشريك إستراتيجي للصين في إفريقيا، بينما تستفيد بكين من موقعه الجغرافي والسياسي لتعزيز نفوذها في المنطقة.

